وَقَدْ وَرَدَ أَيْضاً: إِنَّ الجِدَارَ هُوَ العِلْمُ الظَّاهِرُ، وَالكَنْزُ هُوَ العِلْمُ البَاطِنُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ جِدَاراً وَحِصْناً وَسُوراً لِلْعِلْمِ البَاطِنِ، وَإِنَّ الظَّاهِرَ كَادَ أَنْ يَتْرُكَ فِي تِلْكَ المُدَّةِ فَيَحْصُلُ فِي تَرْكِهِ تَهَتُّكاً لِلْبَاطِنِ، فَأَقَامَ العَالِمُ الظَّاهِرَ لِيَسْلَمَ البَاطِنُ لِأَهْلِهِ وَلِئَلَّا يَصِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ وَفِي إِقَامَةِ الجِدَارِ سِرٌّ مِنَ الأَسْرَارِ يَلْحَظُهُ ذَوُو الأَبْصَارِ مِنْ صَنْعَةِ ذِي القَرْنَيْنِ سَدّاً عَلَى المَحْجُوبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا أَشُدَّهُمْ فِي مَرَاتِبِ التَّمْكِينِ حَتَّى إِذَا سَاوَوْا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً، أَيْ نَيْراً فَأَفْرَغَ عَلَيْهِ القِطْرَ فِي صَحَائِفِ الدَّهْرِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِلْمُعْتَبِرِ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي عَلَى الرَّسْمِ وَالعَادَةِ جَعَلَهُ دَكَّاءَ، أَيْ هَابِطاً لَمْ يَكُنْ لَهُ رَسْماً وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً.
ثُمَّ بَعْدَ مُفَارَقَةِ مُوسَى لِلْعَالِمِ نَاجَى مُوسَى رَبَّهُ فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى أَتَدْرِي مَنِ العَالِمُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ وَكُنْتَ مَعَهُ؟ فَقَالَ مُوسَى: هُوَ الخَضِرُ، قَالَ: يَا مُوسَى، وَمَا حَاجَتُهُ إِلَى الصَّدَقَةِ وَهُوَ رُوحَانِيٌّ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ؟ قَالَ: إِلَٰهِي، لَا أَعْلَمُ، قَالَ: يَا مُوسَى، أَنَا هُوَ فَلَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ مَا رَأَيْتَ، فَالمُلْكُ مَلَكِي أَصْنَعُ فِيهِ مَا شِئْتُ.




