الأَنْفُسِ حَرَامٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ الغُلَامِ جِنَايَةً وَلَا رَآهُ قَتَلَ أَحَدٍ حَتَّى يَسْتَوْجِبَ القَتْلَ، فَرَأَى هَذَا الفِعْلَ نُكْراً، قَالَ العَالِمُ: أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، فَقَالَ مُوسَى حَيَاءً مِنَ العَالِمِ وَاعْتِرَافاً بِمَنْزِلَتِهِ وَاعْتِذَاراً لَهُ: ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾(1)، فَقَالَ مُوسَى فِي نَفْسِهِ عَالِمٌ يَتَصَدَّقُ، أَيْ يَطْلُبُ الصَّدَقَةَ وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يُكَوِّنَ الجِبَالَ ذَهَباً وَلَيْسَ يَقْبَلُونَ مِنْهُ وَلَا يُعْطُونَهُ شَيْئاً، مُسْتَعْجِباً مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ، فَأَقَامَهُ، فَازْدَادَ مُوسَى عَجَباً كَيْفَ طَلَبَ هَذَا العَالِمُ طَعَاماً مِنْ أَهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ فَبَخِلُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُطْعِمُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يُضِيفُوهُ، ثُمَّ يُقِيمُ لَهُمُ الجِدَارَ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ، قَالَ: لِذَلِكَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، أَيْ لَوْ شِئْتَ أَخَذْتَ عَلَى مَا فَعَلْتَ أُجْرَةً عِوَضاً عَنْ بُخْلِهِمْ عَلَيْكَ، فَقَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ لِلْعِلَلِ الثَّلَاثِ فِي مُرَاجَعَتِهِ، وَقَدْ يَعْلَمُ العَاقِلُ أَنَّ هَذَا القَوْلَ وَمَا يُشَاكِلُهُ تَأْدِيباً لَنَا وَتَعْلِيماً بِأَنْ نُسَلِّمَ لِلْعَالِمِ فِي كُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنَ العُلُومِ وَالأَفْعَالِ وَالأَحْكَامِ إِنْ وَافَقَ الأَفْهَامَ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ، لِأَنَّ الكَلِيمَ -عَزَّ عَزُّهُ- لَمْ يَكُنْ بِهَذَا الحَالِ مِنَ المُرَاجَعَةِ وَالمُخَالَفَةِ وَالإِعْتِرَاضِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِينَا وَاقِعٌ وَإِلَيْنَا رَاجِعٌ، ثُمَّ قَالَ العَالِمُ: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَالَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً: أَمَّا
1سورة الكهف الاية 76 77




