قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾(1) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾(2).
وَهَذِهِ الوَصِيَّةُ قَوْلُ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلسَّائِلِ حَيْثُ قَالَ: فَأَوَّلُ مَا أُوصِيكَ بِهِ وَأُفْهِمُكَ وَأُعَرِّفُكَ إِيَّاهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ الَّتِي لَا عِوَضاً عَنْهَا وَلَا يُرَادُ غَيْرُهَا وَلَا يُطْلَبُ إِلَّا هِيَ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَحْدَانِيَّةٌ صَمَدَانِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ حَيَّةٌ نَاطِقَةٌ عَالِمَةٌ لَيْسَتْ بِجَاهِلَةٍ مُرِيدَةٌ غَيْرُ آبِيَةٍ لِلَّهِ، ذَاتُ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ مَا أَتَيْتَهَا فَهِيَ هِيَ، وَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَتْ بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، فَلَا يَرْهَبَنَّكَ فِيهَا شَكُّ شَاكٍّ وَلَا ذَاتُ مَلِقٍ مُتَضَرِّعٍ، وَلَا هَفْوَةُ مُتَعَبِّدٍ، وَلَا تَرْغَبْ فِي دِينِهِ فَيَدُلَّكَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ وَيُرْشِدَكَ إِلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ، وَيُزِيلَكَ عَنْ سَبِيلِ الفَهْمِ، قَدْ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْ قَلَّ مِنْهُ كَانَ خَيْرٌ لَهُ، يَخْتَلِطُ بِالتَّقَحُّمِ مِنَ العِلْمِ وَلَا يَعْرِفُ سَبِيلَ الرُّشْدِ، يَتَخَبَّطُ فِي العُلُومِ وَلَمْ يَعْرِفِ الصَّحِيحَ مِنَ الفَاسِدِ، وَلَمْ يَتَأَصَّلْ لَهُ فِيهَا أَصْلُ الحِكْمَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ فِيهَا مَوَاضِعَ الفِطْنَةِ، قَدْ أُغْرِيَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يَغُرَّنَّكَ صِيَامُهُ وَصَلَاتُهُ حَتَّى تَعْرِفَ مَا عَزِيمَةُ عَقْلِهِ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا يَأْتِي مِنْ أَبْوَابِهِ، فَبَدَنُهُ مَشْغُولٌ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ مِنَ المَعْرِفَةِ مَقْبُولٌ، يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ نَجَاتُهُ وَبِهِ يَكُونُ هَلَاكُهُ لِجَهْلٍ تَرَكَّبَ فِي قَلْبِهِ، فَلَا يَدْفَعُ شَكّاً فِي يَقِينٍ وَلَا يَتَفَكَّرُ فِي حَقٍّ بَعْدَ حِينٍ، هِمَّتُهُ مَا فِي يَدِهِ حَقّاً كَانَ أَوْ بَاطِلاً، يَتَخَبَّطُ خَبْطَ العَشْوَاتِ رَافِعُ الخَطَوَاتِ، يَسْأَمُ مِنْ بَيَانِ الحَقِّ، يَزْهَدُ فِي الحِكْمَةِ وَيَرْغَبُ فِي الجَهْلِ، إِنْ سَمِعَ الحِكْمَةَ هَزَأَ، وَإِنْ سَمِعَ حَقّاً لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَعْلَمُهُ، قَدْ أَشْغَلَتْهُ الرِّئَاسَةُ، إِنْ سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ قَالَ إِنَّهُ يَعْلَمُ، أَكْثَرُ كَلَامِهِ بِالظَّنِّ، إِنْ رُفِعَ إِلَيْهِ كِتَاباً لَا يَقْرَأُهُ فَلَا يُحْسِنُ مَا فِيهِ، بَاطِلاً جَمَعَ وَحَقّاً فَرَّقَ، البَيَانُ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ، قَدْ خَلَا يَدَيْهِ مِنَ المَسَاجِدِ وَالبُيُوتِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللَّهِ، لَيْسَتْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا الإِدِّخَارُ لِعَمَى القَلْبِ وَتَرْكِ فَهْمِ العُقُولِ، قَدْ صَارَتْ إِلَيْهِ رِئَاسَةُ سَبْعٍ مِنْ جَهْلِهِ يَقْتُلُ بِهَا الأَوْلِيَاءَ وَيُكَذِّبُ بِهَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ، فَإِنْ قَالَ اتَّبَعُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ أَجَابُوهُ فَأَحْذَرُكَ ذَلِكَ، وَأُوصِيكَ بِكِتْمَانِ عِلْمِكَ إِلَّا عَنْ أَهْلِ البَصَائِرِ، وَالخَوْفِ وَالحَيَاءِ وَتَرْكِ شِدَّةِ المَرْءِ، لِمِثْلِ ذَلِكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ كُتُبَ الأَنْبِيَاءِ وَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا بَلْ يَأْخُذُكَ فِيهَا بِشَهَوَاتِهِ وَيُفَسِّرُهَا لَكَ عَلَى مَحَبَّتِهِ، فَأَحَذِّرُكَ ذَلِكَ تَحْذِيرَ مَنْ أَشْفَقَ عَلَيْكَ كَإِشْفَاقِ الوَالِدَةِ عَلَى الوَلَدِ فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا قُلُوبٌ رَضِيَّةٌ وَعُقُولٌ كَامِلَةٌ وَصُدُورٌ وَاسِعَةٌ، أَلَا وَإِنَّ مُوسَى كَلِيمَ اللَّهِ تَفَطَّنَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدِ احْتَوَى عَلَى العِلْمِ وَلَمْ يَعِيبُهُ شَيْءٌ مِنَ الفَهْمِ، فَحِينَ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّ مِنَ العِلْمِ عِلْماً لَا يُطِيقُهُ، وَمِنَ الفَهْمِ فَهْماً لَا يُدْرِكُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَالِماً بَعْدَ أَنْ أَوْكَدَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَخَبَرَهُ، فَطَلَبَهُ مُوسَى فَأَبْدَى لَهُ العَالِمُ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آيَاتِهِ، فَأَنْكَرَ مُوسَى عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّهُ مَا حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ




