وَمِنْ كَلَامِ مَوْلَانَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- مَدْحاً فِي العِلْمِ وَتَرْغِيباً لِأَهْلِهِ وَتَشْوِيقاً إِلَيْهِ وَهُوَ مَا قَالَهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ: يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ وَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ غَوِيٍّ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيؤُوا بِنُورِ العِلْمِ لِظُلْمَةِ الجَهْلِ وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، كَمَا فَعَلَ هَذَا الأَحْمَقُ ذُو القَلْبِ المُطْبَقِ، ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلُ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالِ، وَالمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ وَصَنِيعُ المَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ، أَيْ: مَنْ كَانَ حُبُّهُ سَلَبَ المَالِ فَإِنَّهُ يَزُولُ مَعَ زَوَالِ المَالِ، وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الحُكَمَاءِ يَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِهِ: مَنْ وَدَّكَ لِأَمْرٍ زَالَ بِزَوَالِهِ وَفِي الحَدِيثِ: إِنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ، ثُمَّ قَالَ مَوْلَانَا: يَا كُمَيْلُ، العِلْمُ دِينٌ يُدَانُ بِهِ يَكْسِبُ الإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، العِلْمُ حَاكِمٌ وَالمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، يَا كُمَيْلُ: هَلَكَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَبْدَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ.
وَعَنْهُ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يَعِظَهُ: لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيَرْجُو التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ وَيَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ،




