طَبْعِهِ فَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وَهَجَاهُمْ بِمَا هُوَ شَأْنُهُ، فَكَمَا إِنَّهُ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَجَهِلَ مَعْنَاهُ وَتَدَرَّعَ رُسُومَ الزُّهْدِ وَلَمْ يَدْرِ مَا وَرَاهُ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى رَسْمِهِ فَكَانَ مَا عَلِمَ حُجَّةً عَلَيْهِ وَوَبَالاً لَدَيْهِ، وَقَدْ صَحَّ فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّه - -عَزَّ عَزُّهُ- -: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عُبَّادٌ جُهَّالٌ وَعُلَمَاءُ فُسَّاقٌ، وَقَالَ - -عَزَّ عَزُّهُ- -: مَنْ قَالَ إِنِّي عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ.
وَقَالَ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : لَا يَكُونُ المَرْءُ عَالِماً حَتَّى يَكُونَ بِعِلْمِهِ عَامِلاً، وَإِنِّي لَأَرَى عَالِماً مُنْصِفاً إِذَا نَظَرَ وَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ إِلَّا حَكَمَ لِنَفْسِهِ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ هَذِهِ الآفَاتِ بَلِ الظَّنُّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، فَتَكَبُّرُهُ بِالعِلْمِ جَهْلٌ مَحْضٌ، وَالأَوْلَى أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الكِبْرَ مِنَ العِبَادِ حَرَامٌ، وَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى وَهُوَ المُتَكَبِّرُ الجَبَّارُ وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَمَّا العَالِمُ المَحْضُ فَهُوَ الَّذِي يَزِيدُهُ عِلْمُهُ تَوَاضُعاً وَيُورِثُهُ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾(1) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ أَشَدُّ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ العَالِمَ العَاقِلَ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ كِبْرٌ وَلَا عُجْبٌ بِنَفْسِهِ بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَوَاضِعاً خَاشِعاً خَاضِعاً، وَهَكَذَا كَانَتْ سِيرَةُ الأَنْبِيَاءِ مُتوَاضِعِينَ خَاشِعِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كِبْرٌ




