القُرْآنَ بَحْرٌ تَغْرَقُ فِي سَوَاحِلِهِ الأَفْهَامُ، فَلَا يَصِلُ إِلَى رَقَائِقِ شَوَاطِئِهِ إِلَّا مَنْ حَسَرَ عَنْ سَاقِ الإِشْتِيَاقِ بِوَاسِطَةِ الأَدِلَّةِ وَطِيبِ الأَخْلَاقِ.
وَقَدْ اِخْتَرْتُ أَيْضاً وَضْعَ هَذِهِ الخَاتِمَةِ فِي فَضِيلَةِ العِلْمِ وَالعَمَلِ بِهِ وَالتَّوَاضُعِ لِأَهْلِهِ وَبَذْلِهِ لِمُسْتَحِقِّيهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِنَّهُ قَالَ: حَيَاةُ العِلْمِ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ وَالعَمَلِ بِهِ، وَمَوْتُهُ بِتَرْكِهِمَا، وَعَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: يَهْتِفُ العِلْمُ بِالعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا اِرْتَحَلَ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ صَحَّتِ النِّيَّةُ فِي العِلْمِ لَمْ يَكُنْ، لَا تُعَلِّمُوا العِلْمَ إِلَّا لِمَنْ يُعْطِي ثَمَنَهُ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَضَعُوهُ عِنْدَ مَنْ يَعْمَلُ بِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ صَحَّتِ النِّيَّةُ فِي العِلْمِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أَفْضَلَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُمْ تَعَلَّمُوهُ لِغَيْرِ العَمَلِ بِهِ وَجَعَلُوهُ شَبَكَةً يَصْطَادُونَ بِهِ الدُّنْيَا..كَمَا فَعَلَ هَذَا المُتَكَبِّرُ بِعِلْمِهِ المُفْسِدُ بِفَهْمِهِ المُزْدَرِي بِالعَمَلِ المُتَعَاطِي مَا لَمْ يَنَلْ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ عَلِمَ عِلْماً وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ لِإِقْتِدَاءِ الجُهَلَاءِ لَهُ، وَقَوْلُهُ أَيْضاً: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّه فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ، وَعَنْهُ أَيْضاً - -عَزَّ عَزُّهُ- - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ، يَعْنِي رِيحَهَا..




