الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(1) دَلَالَةُ ذَلِكَ: إِنَّ إِقْرَارَهُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ، بَلْ مَا سِوَاهُ هُوَ الشِّرْكُ، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَالْأَمْنُ هُوَ عَدَمُ الْمَخَافَةِ، أَيْ أَيَّانَا أَحَقُّ بِالْأَمْنِ الْمُهْتَدِي أَمِ الْمُشْرِكُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ!!
ثُمَّ أَبَانَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾(2)، فَأَوْجَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا الْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ وَعَدَمِ الظُّلْمِ قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾(3).
فَأَبَانَ بِهَذَا إِثْبَاتَ الْحُجَّةِ وَإِيضَاحَ الْمَحَجَّةِ وَعُلُوَّ الدَّرَجَةِ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَثَلاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(4).
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ وَمَا أَهْدَاهُمْ إِلَيْهِ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾(5) أَيْ: كُلاًّ هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا رَآهُ إِبْرَاهِيمُ لَيْلاً مِنَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَقْفَى بِهِمِ الذُّرِّيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(6) أَيْ فَضَّلْنَاهُمْ بِمَعْرِفَةِ النُّورِ الْمُبِينِ الَّذِي تَرَاءَى لِإِبْرَاهِيمَ.. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(7)، أَيْ إِلَى هُوَ إِشَارَةٌ إِلَىٰ الطَّرِيقِ القَوِيمِ الَّذِي سَلَكَهُ إِبْرَاهِيمُ.
﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(8) أَيْ: لَوْ أَشْرَكُوا شَيْئاً بِالمَوْجُودِ المُعَايَنِ الَّذِي هَدَى إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ أَوْ قَالُوا بِإِلَٰهٍ غَيْرِهِ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ كَمَا فَعَلَ هَذَا المَأْفُونُ.
ثُمَّ وَصَفَ اللَّه الأَنْبِيَاءَ المُقِرِّينَ بِهَذَا الهُدَى بِالعِلْمِ وَالحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾(9).




