قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ: أَيْ كُلٌّ يُفَادُ مِنْ أَشِعَّةِ إِشْرَاقِ أَنْوَارِ مِيَاهِ تِلْكَ الْعُيُونِ بِقَدْرِ الْقَوَابِلِ وَوُفُورِ الْحَظِّ وَالْإِسْتِحْقَاقِ مِنْ رُؤْيَةِ الصِّبْغَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ظَهَرَتْ وَبَانَتْ وَاشْتَهَرَتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ الْحَقِّ حِكَايَةً عَنِ الْخَلِيلِ ذُو الْمَجْدِ الْأَثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا (أَيْ ظَاهِراً) قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ (أَيْ غَابَ) قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي (إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِي وُجُودِهِ) لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً (أَيْ طَالِعَةً) قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ (أَيْ أَكْبَرُ اشْتِهَاراً) فَلَمَّا أَفَلَتْ (أَيْ غَابَتْ) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾(1).
تِبْيَاناً بِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ بَلْ هُوَ تَوْحِيدٌ مَحْضٌ، وَإِلَيْهِ تَوَجَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(2) دَلَالَةً عَلَى مَوْجُودٍ لَا عَلَى غَائِبٍ مَفْقُودٍ، لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يُمْكِنُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَكَانِهِ، وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَكَانِهِ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ.
وَقَدْ شَرَحَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ الْمِصْرِيَّةِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- وَهُوَ قَوْلُهُ: فَتَبَيَّنَ جُعِلْتُ لَكَ الْفِدَا وَلَا أَفْتَنَكَ اللهُ فِي مَعْرِفَتِهِ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ




