وَمَالَهُ كَلَّا بَلْ مَا تَقَوَّهُ بِهِ مِنَ البَهْتِ وَالذَّمِّ، فَهُوَ رَاجِعٌ عَلَيْهِ وَعَائِدٌ إِلَيْهِ وَإِلَى مَوَالِيهِ وَتَابِعِيهِ.
ثُمَّ اِسْتَنَدَ إِلَى رِوَايَاتٍ أَظْهَرَهَا المَوَالِي تَلْبِيساً عَلَى الضِّدِّ اللَّعِينِ فَتَمَسَّكَ بِهَا وَجَعَلَهَا لَهُ بُرْهَاناً عَلَى دَعَاوِيهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَغَشَاهُ شَنَارٌ يُوهِيهِ، فَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْنَا وَنَسَبَنَا فِيهِ إِلَى إِسْحَاقَ الأَحْمَرِ لَعَنَهُ اللَّهُ مَا رَوَاهُ مَرْفُوعاً إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الحَسَنِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يَعْقُوبَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(1)؟ قَالَ إِسْحَاقُ لَعَنَهُ اللَّهُ: إِنَّ الشَّمْسَ المِيمُ، وَالقَمَرَ العَيْنُ وَهُوَ المَعْنَى -عَزَّ عَزُّهُ- ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾(2)، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَسَكَتُّ عَنْ كَلَامِ إِسْحَاقَ وَأَتَيْتُ أَبَا شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا جَرَى لِي مَعَ إِسْحَاقَ، فَقَالَ أَبُو شُعَيْبٍ: كَذَبَ إِسْحَاقُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قُلْتُ: سَيِّدِي، فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟ فَقَالَ: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ، مَعْنَاهُ لَوْ أَدْرَكَتْهُ لَخَالَفَتْ وَعَصَيْتَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: لِلشَّمْسِ فَلَكٌ وَلِلْقَمَرِ فَلَكٌ، فَلَا هَذَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُدْرِكَ هَذَا، وَلَا هَذَا يُدْرِكُ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكَ يَابْنَ مُحَمَّدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي، فَقَالَ: أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ مَضْرُوبَةٌ عَلَى النَّهَارِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالقَمَرُ مَضْرُوبٌ عَلَى اللَّيْلِ، فَالشَّمْسُ مِنْ جِنْسِ النَّهَارِ، وَالقَمَرُ مِنْ جِنْسِ اللَّيْلِ، لَا القَمَرُ يُدْرِكُ الشَّمْسَ وَلَا الشَّمْسُ تُدْرِكُ القَمَرَ، وَلَوْ أَدْرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ لَفَسَدَ المُلْكُ وَبَطَلَتِ الحِكْمَةُ، وَلَهُ جَوَابٌ آخَرَ: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، أَرَادَ أَنَّ القَمَرَ لَا يَسْبِقُ الشَّمْسَ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَسْبِقُ القَمَرَ، أَزِيدُكَ يَابْنَ مُحَمَّدٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا مَوْلَايَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ لِلشَّمْسِ عِلْمٌ وَمَنْزِلَةٌ دَفَعَهَا إِلَيْهَا المَوْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَالْقَمَرُ لَا يَعْلَمُ المَنْزِلَةَ الَّتِي دُفِعَتْ إِلَى الشَّمْسِ، كَمَا إِنَّ القَمَرَ قَدْ دُفِعَ إِلَيْهِ مَنْزِلَةٌ وَعِلْمٌ مَالَمْ تَعْلَمْهُ الشَّمْسُ، وَإِنَّكَ تَجِدُ ذَلِكَ فِي نَفْسِكَ، هَلْ تَعْلَمُ عِلْمَ البَابِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ غَيْرُكَ، ثُمَّ مَرَّ فِي القَوْلِ بِمَا زَادَ فِيهِ وَنَقَصَ إِلَى آخِرِ الشَّرْحِ.
فَأَقُولُ: أَمَا يَعْلَمُ هَذَا المُتَخَلِّقُ أَنَّهُ قَدْ حُجِبَ بِمَا حُجِبَ بِهِ إِسْحَاقُ لِتَمَسُّكِهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ كَلَامَ السَّيِّدِ أَبَا شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- كَانَ تَعْجِباً وَتَلْبِيساً عَلَى إِسْحَاقَ وَأَتْبَاعِهِ مِمَّا أَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ هُوَ الضِّدَّ اللَّعِينَ فِي أَيَّامِ المَوْلَى الحَسَنِ العَسْكَرِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- وَكَانَ يَلْفِظُ بِالحَقِّ وَيُنْكِرُهُ، فَلِعَدَمِ اِعْتِقَادِهِ بِالحَقِّ وَجُحُودِهِ بِبَابِيَّةِ السَّيِّدِ أَبِي شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- لَبَّسُوا عَلَيْهِ الأَمْرَ صِيَانَةً لِلسِّرِّ عَنْ وَلَدِ الشَّيْطَانِ وَحَمَلُوهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَخْلُوا إِشَارَاتُهُمْ وَرِوَايَاتُهُمْ مِنَ الأَشَائِرِ البَاطِنَةِ.




