وَمَا دَرَى هَذَا الهَمَّازُ المَهْمُوزُ أَنَّ فِي هَذَا القَوْلِ رَمْزٌ مَرْمُوزٌ مَكْنُوزٌ وَلَغْزٌ مَلْغُوزٌ يُنَبِّهُ عَلَى حَيْثُ الإِشَارَةِ لِلْمَظْهَرِ الضِّيَائِيِّ المُتَمَثِّلِ لِلْبَابِ فِي كَوْنِهِ، وَإِنَّهُ فِي تَمَثُّلِهِ لِلْبَابِ وَقَعَ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ البَابِيَّةِ، وَلِظُهُورِ البَابِ بِصَفْقَتَيْنِ وَهُمَا وَاحِدٌ تَمَثَّلَ لَهُ هَذَا المَظْهَرُ بِشِقَّتَيْنِ وَذَلِكَ فِي رُؤْيَةِ العُيُونِ لَا فِي الحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الذَّاتَ وَالنُّورَ وَالضِّيَاءَ وَالظِّلَّ خَاصَّةٌ مِنْ مَظَاهِرِ المَعْنَى لِلِاسْمِ وَالبَابِ وَاليَتِيمِ وَالذَّاتُ هِيَ ذَاتُ البَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ ذَاتٌ كُلُّهُ، وَالنُّورُ هُوَ صِفَةُ تَجَلِّي الذَّاتِ لِكَوْنِ الاِسْمِ الَّذِي هُوَ النُّورُ، فَسُمِّيَتْ نُورٌ بِتَجَلِّيهَا لَهُ.
وَكَذَلِكَ الضِّيَاءُ هُوَ تَجَلِّي الذَّاتِ لِكَوْنِ البَابِ الَّذِي هُوَ الضِّيَاءُ فَسُمِّيَتْ ضِيَاءٌ، وَسُمِّيَ الضِّيَاءُ بَابَ الوُجُودِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الأَصْيَفَرِ فِي قَوْلِهِ: الصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ، يَعْنِي: دَلِيلُ الكُلِّ، وَإِنَّ كُلَّ الوُجُودِ هُوَ الغَايَةُ الكُلِّيَّةُ يَعْنِي: البَابُ اللَّاصِقُ، لِأَنَّ الوُجُودُ هُوَ الحِجَابُ، يَعْنِي: النُّورُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ الكَمَالُ الوُجُودِيُّ، وَاليَتِيمُ الأَكْبَرُ، يَعْنِي: الظِّلُّ هُوَ أَرْضُ البَابِ، فَإِذَا جُرِّدَ الوُجُودُ كَانَ وَاحِداً مَعْقُولاً، وَمَعْنَى قَوْلِنَا بَابُ الوُجُودِ: فَلَيْسَ هُوَ البَابُ سَلْمَانُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَابُ وُجُودِ الذَّاتِ فِي كَوْنِ النُّورِ، كَمَا إِنَّ النُّورَ هُوَ اِسْمٌ لَهَا فِي وُجُودِهَا وَلَيْسَ هُوَ المِيمُ بَلْ اِسْمُ الذَّاتِ تَعَالَتْ أَنْ يُقَالَ لَهَا نُورٌ أَوْ ضِيَاءٌ أَوْ ظِلٌّ وَجَلَّتْ عَنِ الأَسْمَاءِ.
وَلَكِنْ هَذَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فِي الوُجُودِ وَالظُّهُورِ، لِأَنَّنَا إِذَا نَزَّهْنَا الذَّاتَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَقَعَ ذَلِكَ بِالاِسْمِ وَالبَابِ وَاليَتِيمِ، كَمَا لِأَنَّ الصِّفَةَ البَشَرِيَّةَ الَّتِي ظَهَرَتْ لَنَا وَاقِعَةٌ بِنَا وَهِيَ عِلَّتُنَا، وَهَذَا مِنْ بَعْضِ مَوَاقِعِ الصِّفَةِ، وَلِهَذَا كَانَتْ إِشَارَةُ الكَاظِمِ فِي قَوْلِهِ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ(1)، وَشَاهَدَهُ قَوْلُ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلْمُفَضَّلِ: إِعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ ظُهُورَ مَوْلَاكَ بَيْنَ خَلْقِهِ عَجِيبٌ، لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا عَالِمٌ خَبِيرٌ، وَلَكِنَّهُ شَاءَ أَنْ يُعَرِّفَ نَفْسَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَشْرَقَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ نُوراً شَعْشَعَانِيّاً، وَأَظْهَرَ النُّورَ ضِيَاءً وَالضِّيَاءَ ظِلّاً، فَأَقَامَ صُورَةَ الوُجُودِ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَجَعَلَ الظِّلَّ بَاطِنَهُ الضِّيَاءُ، وَالضِّيَاءُ بَاطِنَهُ النُّورُ، وَالذَّاتُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا، فَالظِّلُّ ظَاهِرُ الضِّيَاءِ، وَالضِّيَاءُ ظَاهِرُ النُّورِ وَالنُّورُ ظَاهِرُ الذَّاتِ.




