فَهَذَا شَاهِدٌ مَفْصُوحٌ وَبُرْهَانٌ مَوْضُوحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾(1)، فَالشَّمْسُ هَاهُنَا: المِيمُ، وَالقَمَرُ: البَابُ، لِأَنَّ البَابَ سُمِّيَ شَمْس وَقَمَر فِي بَعْضِ أَسْمَائِهِ فِي القِدَمِ،
هَذَا فِي بَعْضِ العِبَارَاتِ، فَلِهَذَا تَعَايَلَ تَخَايُلُ هَذَا المَغْرُورِ أَنَّ كُلَّ قَمَرٍ يَلِي الشَّمْسَ فِي نُطْقِ القُرْآنِ فَهُوَ البَابُ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: فَلَا يَتَخَايَلُ فِي ظُنُونِ عُقُولِكُمُ الضَّعِيفَةِ وَآرَائِكُمُ السَّخِيفَةِ إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ هُمَا الوَلِيَّينِ أَمْ هُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَاتَلَهُ اللَّهُ مِنْ ضِرْسٍ أَعْوَرَ أَوْ هِرٍّ أَزْوَرَ، أَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾(2)، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا الَّذِينَ هُمْ إِخْوَةُ يُوسُفَ عَلَى الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَا هُمَا الإِسْمُ وَالبَابُ عَلَى مَاقَرَّرَ هَذَا الرَّجُلُ المُرْتَابُ!!
فَلَوْ رَحَضَ رَانَ الحِجَابَ لَعَلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ فِي هَذَا المَوْضِعِ هُمَا الوَلِيَّينِ، وَلَعَلِمَ أَيْضًا أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ المَنْصُوصَ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾(3) هُمَا الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ اللَّذَيْنِ هُمَا شَخْصَا الأَوَّلُ وَالثَّانِي، لِأَنَّ الرَّسُولَ -عَزَّ عَزُّهُ- سَمَّاهُمَا بِذَلِكَ تَبْجِيلًا لَهُمَا عِنْدَ حِزْبِهِمَا، وَجَمِيعُ هَذَا القَوْلِ وَمَا يُضَاهِيهِ لَايَلِيقُ بِالإِسْمِ وَالبَابِ، وَلَا يَكُونَانِ مُسَخَّرَيْنِ، وَلَا يَكُونَانِ مُسَخَّرَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(4) بَلْ دَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا الأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالنُّجُومُ دَلَالَةٌ عَلَى بَقِيَّةِ المَعَادِنِ المُسَخَّرَاتِ فِي أَيْدِي بَنِي آدَمَ، وَهُمْ أَشْخَاصٌ لِتَابِعِينَ هَذَيْنِ الرِّجْسَيْنِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾(5) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾(6) وَنَحْنُ بِحَوْلِ اللَّهِ مُتَّبِعِينَ لَامُبْتَدِعِينَ وَمُلْحِقِينَ الكَلَامَ بِالقَرِينِ كَمَا أَدَّبُونَا شُيُوخُنَا وَأَسْلَافُنَا الأَقْدَمِينَ، فَالَّذِي نَرَاهُ مَقْرُونًا بِالجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ أَحْكَمْنَا بِتَبْجِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَالَّذِي نَرَاهُ مَقْرُونًا بِالهِدَايَةِ وَالحَمْدِ أَحْكَمْنَا بِمَحْمَدِهِ وَتَفْخِيمِهِ، وَالَّذِي نَرَاهُ مَقْرُونًا بِالتَّوْخِيمِ وَالذَّمِّ أَحْكَمْنَا بِتَوْخِيمِهِ وَتَذْمِيمِهِ، فَلَا نَرْفَعُ مَخْفُوضًا وَلَا نَخْفِضُ مَرْفُوعًا وَلَا نَذُمُّ مَحْمُودًا وَلَا نَحْمَدُ مَذْمُومًا، هَكَذَا أَدَّبُونَا وَعَلَّمُونَا سَادَاتُنَا وَمَوَالِينَا وَمَنْ




