⁂ الفَصْلُ التَّاسِعُ ⁂ فِي نَوَادِرِ الأَخْبَارِ رَدًّا عَلَى هَذَا المِهْدَارِ
فَمِنْ ذَلِكَ مَارُوِيَ فِي كِتَابِ الأُسُوسِ وَهُوَ قَوْلُ العَالِمِ لِلْسَّائِلِ: إِنَّ اللهَ شَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى وَتَكَلَّمَ وَظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فَكَانُوا يَرُونَهُ وَيُثْبِتُونَهُ حَقًّا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُوحَانِيِّينَ، فَأَمْكَنَهُمُ النَّظَرُ بِلُطْفِ ذَوَاتِهِمْ، وَلَمَّا وَقَعَتِ الصِّفَاتُ احْتَاجَ الخَلْقُ إِلَى المَعَارِفِ وَنِسْبَةِ الأَمَاكِنِ، قَالَ السَّائِلُ: أَفَيَظْهَرُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ مِنَ الشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالمَاءِ كَمَا ظَهَرَ مِنَ البَشَرِ؟ قَالَ العَالِمُ: فَهُوَ يَظْهَرَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ فَإِنَّ القُدْرَةَ لَهُ وَالإِرَادَةَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَظْهَرَ بِالصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لِأَنَّهَا عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، وَلَيْسَتْ صُورَةُ الشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالمَاءِ عَلَى صُورَتِهِ، قَالَ السَّائِلُ: فَأَرَادَ أَنْ يُشْبِهَ الخَلْقَ؟ قَالَ العَالِمُ: إِنَّمَا يَقَعُ الشَّبَهُ فِي الأَجْنَاسِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِهِمْ، قَالَ السَّائِلُ: فَهُوَ يَظْهَرُ كَأَنَّهُ خَلْقُهُ أَوْ يَخْلُقُ خَلْقًا يَسْتَتِرُ بِهِ فَيَتَكَلَّمُ مِنْهُ؟ قَالَ العَالِمُ: هَذَا مَالَمْ يَكُنْ أَنْ يَحُولَ نَفْسَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ، قَالَ السَّائِلُ: كَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟ قَالَ العَالِمُ: لِحَاجَةِ المَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الكَلَامِ لِأَنَّهُ لَاكَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةَ إِلَّا بِالقُدْرَةِ، فَأَتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ يَعْرِفُونَ.




