البَابِ كَانَتِ الأَيْتَامُ، وَعَنْ كَوْنِ كِيَانِ الأَيْتَامِ كَانَتِ العَوَالِمُ.. فَهَذَا هُوَ آدَمُ المَحْمُودُ.
وَأَمَّا آدَمُ المَذْمُومُ: فَهُوَ إِبْلِيسُ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الخِلَافِ فَمِنْ عُنْصُرِهِ وَجِبِلَّتِهِ، وَهُوَ أَصْلُهُمْ وَمَعْدِنُهُمْ، وَهُمْ مِنْ سِنْخِهِ، وَهُوَ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ بِالمُخَالَفَةِ وَالعِصْيَانِ.
وَأَمَّا آدَمُ المُهْمَلُ: فَهُوَ آدَمُ المَهْبُوطُ المُكَوَّنُ مِنْ جِبِلَّةِ الطِّينِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الخِطَابُ فِي الأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾(1) وَهُوَ الطِّينُ المَعْرُوكُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(2)، فَذَلِكَ وَأَمْثَالُهُ وَاقِعٌ بِآدَمَ المَهْبُوطِ، وَالمُخَاطَبُ كَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَحَدُ أَشْخَاصِ المُنْبَئِينَ وَتَصْرِيفُهُ وَوُقُوعُهُ فِي العَالَمِ البَشَرِيِّ.
وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا الشَّابُّ الثِّقَةُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ البَحْثِ وَالدَّلَالَةِ فِي مُشْكِلِ الرِّسَالَةِ بِمَا أَوْضَحَهُ وَأَعْرَبَهُ عَنْ مُشْكِلِهِ مِنْ رِسَالَةِ الشَّيْخِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِعْلَمْ يَا سَيِّدِي وَفَّقَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ وَجَنَّبَكَ سَخَطَهُ وَمَعْصِيَتَهُ أَنَّ شَيْخَنَا -قَدَّسَهُ اللَّهُ- كَانَ فَقِيهَ وَقْتِهِ وَقُدْوَةَ مَذْهَبِهِ، وَرِسَالَتُهُ فَهِيَ رِسَالَةُ عَالِمٍ دَرِيٍّ إِلَى عَالِمٍ دَرِيٍّ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عَارِفٌ بِأَغْرَاضِهِ وَتَلْوِيحَاتِهِ، وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مُرَادُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- لَمَّا رَفَعَ المُؤْمِنَ الصَّافِي الَّذِي هُوَ مِنْ عَالَمِ البَشَرِ عَنِ الغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ صَافٍ لَمْ يُرَتَّبْ فِي التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يَحُلَّ المَنَازِلَ العُلْوِيَّةَ.
ثُمَّ أَطْلَقَ هَذَا القَوْلَ عَلَى السَّبْعَةِ عَشَرَ شَخْصَ المُنْبَئِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الأَيْتَامِ وَالنُّقَبَاءِ وَالنُّجَبَاءِ وَمِنْ سَائِرِ المَرَاتِبِ العُلْوِيَّةِ إِنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا هَذَا الذَّمَّ وَالتَّحْذِيرَ وَالخَوْفَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا جَرَى مِنْهُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- عَلَى سَبِيلِ النَّقْصِ مِنْ مَنْزِلَةِ المُنْبَئِينَ وَرَفْعًا بِمَنْزِلَةِ المُؤْمِنِ الصَّافِي، وَإِنَّمَا جَرَى هَذَا مِنْهُ عَلَى قِسْمَيْنِ تَنْزِيهًا وَتَأْدِيبًا.




