فَيَجْهَلُونَهُ.. كَمَا فَعَلَ هَذَا الحَامِلُ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَيَجْهَلُهُ، ثُمَّ قَالَ مَوْلَانَا: وَيَبْلُوهُمْ بِذَلِكَ مُدَّةَ اِخْتِبَارِهِمْ، فَإِذَا تَنَاهَى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ رَدَّهُمْ إِلَى الكُفْرِ وَالجُحُودِ، وَعَكْسُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى المَسُوخِيَّةِ، ثُمَّ يُوجِدُهُمْ فِيهَا جَمِيعًا مَاكَانُوا يَجْحَدُوهُ وَيَعْرِفُوهُ فِي البَشَرِيَّةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مِنْ أَعْطَاهُمْ، وَمِنْ سَبَّبَ تِلْكَ الضَّلَالَةَ فَيَوَدُّونَ أَنْ يَرُدُّونَ إِلَى البَشَرِيَّةِ لِيُؤْمِنُوا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾(1)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾(2)، إِلَى آخِرِ الشَّرْحِ، ثُمَّ قَالَ: طُوبَى يَامُفَضَّلُ لِمَنْ عَرَفَ شَرْحَ هَذَا البَاطِنِ وَوَقَفَ عِنْدَهُ وَمَالَ بِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ وَعَرَفَ مُرَادَ مَوْلَاهُ فِيهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ شَكَّ فِيهِ وَجَحَدَهُ وَصَدَّ عَنْهُ وَنَدَّ زَخَالِفَ عَلَيْهِ وَعَانَدَ فِيهِ، قَالَ المُفَضَّلُ: فَقُلْتُ: مَوْلَايَ، لَايَثْبُتُ إِلَّا مَنْ أَثْبَتَّهُ، وَلَا يَهْدِي إِلَّا مَنْ أَهْدَيْتَهُ.
ثُمَّ نَعُودُ إِلَى قَوْلِ هَذَا المُسَفِّرِ عَنْ وَجَنَاتِ الخَنَارِ، المُتَرَبِّصِ فِي بَاحَاتِ الإِنْكَارِ مِمَّا أَعَابَهُ عَلَيْنَا مِنْ فِقْهِ الأَرْبَعَةِ أَنْهَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا سُؤَالُكَ عَنِ الأَنْهَارِ الأَرْبَعَةِ، فَبَعْضُ العُلَمَاءِ مِنْكُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الأَرْبَعُ صِفَاتِ الَّتِي تَلُوحُ بِالْقَمَرِ(3) فِي كُلِّ شَهْرٍ، أَعْنِي السَّوَادَ وَالبَيَاضَ وَالحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَقَاسُوا فِي ظُنُونِ عُقُولِهِمُ السَّخِيفَةِ، وَقُلُوبِهِمُ الضَّعِيفَةِ أَنَّ المَاءَ هُوَ السَّوَادُ الَّذِي يَغْشَى نُورَهُ فِي حَالِ النُّقْصَانِ وَالضَّعْفِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الخَمْرَ الصَّرْفَ هُوَ إِذَا كَانَ كَامِلًا تَامًّا، وَبَزَغَ مِنْ مَشْرِقِ الإِسْتِوَاءِ فَيَلُوحُ بِهِ الإِحْمِرَارُ، فَهُوَ نَهْرُ الخَمْرِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الخَمْرَ بِالإِحْمِرَارِ، وَإِذَا تَوَسَّطَ فِي الحَيْثِ يَلُوحُ بِهِ البَيَاضُ وَهُوَ النَّهْرُ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ يَخْتَالُ اللَّبَنَ بِالبَيَاضِ، وَإِذَا تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ يَلُوحُ بِهِ الإِصْفِرَارُ وَهُوَ النَّهْرُ العَسَلُ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ بِاللَّوْنِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ أَنْهَارِ أَيْ: مَنْ عَرَفَهُ بِظُهُورِهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الأَرْبَعَةِ وَأَقَرَّ أَنَّهُ غَايَةُ الغَايَاتِ، وَأَقَرَّ أَنَّ صِفَاتَهُ وَنُعُوتَهُ الأَرْبَعَ هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بَلْ، إِنَّمَا يُورِي ذَلِكَ فِي عُيُونِ النَّاظِرِينَ فَقَدْ صَارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الآمِنِينَ الفَائِزِينَ وَاسْتَحَقَّ الخُلُودَ فِي عِلِّيِّينَ.
فَأَقُولُ حَقًّا وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا القَوْلَ الَّذِي لَفَظَ بِهِ هَذَا الزِّنْدِيقُ المَارِقُ المُهْتَكُ الفَاسِقُ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَفِيهِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ




