ثُمَّ شَرَعَ هَذَا الجِنْعَاظُ المَرْدُودُ فِي حَافِرَةِ الإِنْحِطَاطِ بِذِكْرِ النُّقَطِ الأَرْبَعِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا سُؤَالُكَ عَنِ النُّقَطِ الأَرْبَعِ: فَرُبَّمَا تَزْعُمُ أَنَّ النُّقْطَةَ الوَهْمِيَّةَ هِيَ الْقَمَرُ(1) وَالنُّقْطَةَ الفَيْضِيَّةَ هِيَ الشَّمْسُ(2)، وَالنُّقْطَةَ البِيكَارِيَّةَ هِيَ التَّدْوِيرُ وَهِيَ الفَلَكُ الدَّائِرُ، وَالنُّقْطَةَ المَرْكَزِيَّةَ هِيَ السِّينُ وَتَزْعُمُ أَنَّهَا سَلْسَلٌ.. فَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ هَذَا المِينِ وَالتَّزْوِيرِ وَالتِّيهِ وَالتَّحْيِيرِ.
فَأَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: أَمَّا هَذَا القَوْلُ الَّذِي تَعَوَّذَ مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِينٌ وَتَزْوِيرٌ وَتِيهٌ وَتَحْيِيرٌ، رُبَّمَا كَانَ هُوَ الحَقُّ وَالمَقَالُ الصِّدْقُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدَّمَ النُّقْطَةَ البِيكَارِيَّةَ عَلَى المَرْكَزِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْيِيرِ وَالرَّيْبِ فِي التَّحْرِيرِ وَخِلَافًا فِي الأَسَاطِيرِ لِئَلَّا يَخْلِي قَوْلَهُ مِنَ العِهَاضِ.
ثُمَّ أَتَى بِرِوَايَةٍ أَسْنَدَهَا إِلَى الشَّيْخِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ الجَنَانِ وَهُوَ عَنْ مَضْمُونِهَا غَفْلَانُ، وَهِيَ جُرْثُومَةُ مَذْهَبِنَا وَزُبْدَةُ مَطْلَبِنَا، وَفِيهَا مَحْضُ مَنْهَاجِنَا وَلَكِنَّهُ غَيَّرَهَا عَلَى هَوَاهُ وَحَوَّلَهَا إِلَى مَا يَرْضَاهُ.
وَنَحْنُ بِحَوْلِهِ تَعَالَى نَأْتِي بِهَا عَلَى نُسْخَةِ الأَصْلِ وَهِيَ قَوْلهُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ الإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الفَلَكَ الخَامِسَ المُحِيطَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ هُوَ النُّقْطَةُ الوَهْمِيَّةُ، أَعْنِي الذَّاتَ الغَامِضَةَ الَّتِي تَوَهَّمَتْ بِهَا سَائِرُ العُقُولِ وَالنُّفُوسِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْهَا إِسْمٌ وَلَا بَابٌ، وَلَا يَعْلَمُ مَاهِيَ إِلَّا هِيَ.
وَالنُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: الفَيْضِيَّةُ، هِيَ حِجَابُ الذَّاتِ، أَعْنِي نُورَهَا الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهَا رُوحُ المِيمِ وَهِيَ الَّتِي تَنَاشَى مِنْهَا العَدَدُ وَهُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الأَعْدَادِ وَأَوَّلُ الحَرَكَاتِ، وَهَذِهِ النُّقْطَةُ لَيْسَتْ غَيْرَ الذَّاتِ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّاتِ وَنُورِهَا، وَهِيَ الَّتِي تَكَوَّنَ مِنْهَا المِيمُ وَبَدَا، وَهِيَ نَظْرَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا إِنَّ كُلاً مِنَ المَظَاهِرِ يُشَاهِدُ الذَّاتَ فِي كَوْنِهِ وَيَرَاهَا بِمَا لَا يَرَاهَا مَنْ هُوَ دُونَهُ.
وَالنُّقْطَةُ البَيْضَاءُ الثَّالِثَةُ الضِّيَائِيَّةُ، هِيَ نَظْرَةُ البَابِ فِي كَوْنِ الضِّيَاءِ الَّذِي هُوَ حِجَابُ النُّورِ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى المَرْكَزِيَّةُ، أَيْ إِنَّهَا مَرْكَزُ الأَنْوَارِ وَمَجْمَعُ الأَسْرَارِ، فَسُمِّيَ البَابُ ضِيَاءً لِانْفِرَادِهِ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ.
وَالنُّقْطَةُ الرَّابِعَةُ: البِيكَارِيَّةُ، هِيَ الظِّلُّ الَّذِي هُوَ حِجَابُ الضِّيَاءِ، وَهُوَ نَظْرَةُ اليَتِيمِ وَمَنْ يَلِيهِ مِنَ العَوَالِمِ النُّورِيَّةِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾(3).




