وَقَوْلُهُ: يَدْرَكُ بِالعِيَانِ، لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الإِحَاطَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الظُّهُورَ وَالوُجُودَ لِأَنَّ القَدِيمَ لَا يُدْرِكُهُ المُحْدَثُ، فَقَدْ وَصَفَهُ بِالقِدَمِ، وَنَفَى عَنْهُ حُدُودَ الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ وَالطَّبَائِعِ.
ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى القَوْلِ فِي كَيْفِيَّةِ الطَّبَائِعِ الأَرْبَعِ كَمَا وَعَدْنَا، وَقَدْ سَمَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنَاصِرَ، وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ تَرَاكِيبَ، وَإِنَّهَا دَلِيلَةٌ عَلَى أَشْخَاصٍ عَقْلِيَّةٍ نُورَانِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ التَّرَاكِيبِ البَشَرِيَّةِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ الحَرَّانِيُّ فِي كِتَابِ الأَصَيْفَرِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّ العُلَمَاءَ مِنْ قِبَلِنَا نَبَّهُوا عَلَى مَعْرِفَةِ المَرَاتِبِ، وَجَعَلُوا الأَشْخَاصَ البَشَرِيَّةَ مَثَلًا عَلَى مَاهُوَ أَقْدَمُ حُسْنًا وَعَقْلًا وَهُوَ العَالَمُ الأَعْلَى السَّمَاوِيُّ البَسِيطُ الَّذِي لَا تَرْكِيبَ فِيهِ، وَهُوَ الدَّائِمُ الأَبَدِيُّ السَّرْمَدِيُّ الَّذِي ظَهَرَ عَنْهُ الزَّمَانُ، وَعَنْ ظِلِّهِ جَعَلَ عَالَمُ الكَوْنِ وَالفَسَادِ وَالتَّبْدِيلِ وَالنِّسْيَانِ وَهُوَ عَالَمُنَا عَالَمُ البَشَرِ المُرَكَّبُ مِنَ العَنَاصِرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حَالَةٍ، وَلَا بَقَاؤُهُ وَلَا دَوَامُهُ.
ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ: ثُمَّ أَفَاضَ عَنْ جَوْهَرِ الأَنْوَارِ كَوْنًا ثَالِثًا وَهِيَ العَنَاصِرُ الأَرْبَعَةُ، فَظَهَرَ عَنْهَا النَّارُ وَالهَوَاءُ وَالمَاءُ وَالتُّرَابُ وَمُزِجَتْ مِنْ مُفْتَرَقَاتِهَا، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ العَالَمِ البَشَرِيِّ، وَسُمِّيَتْ




