وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالفَلَكُ الخَامِسُ هُوَ الجِسْمُ الأَحَدُ الَّذِي لَاحَ لِعَالَمِ البَشَرِ، فَتَرَاهُ يَسْمِي بَارِيَهُ جِسْمًا وَيُثْبِتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا القَوْلِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلَّادٍ الذَّهَبِيُّ، فَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا رَأَيْنَا فِي الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ مِنَ البَشَرِيَّةِ وَالعَجْزِ وَالنَّقْصِ وَالاِهْتِضَامِ فَهُوَ وَاقِعٌ فِينَا لَافِيهِ، وَهُوَ عِلَّةُ المَعْلُولِ لِعِلَّةِ العَمَلِ كَمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ وَكَيْفَ حُدُودُ وُقُوعِ النَّظَرِ عَلَيْهَا مِنَ النَّاظِرِ؟
فَأَجَابَ: إِنَّ النَّاظِرَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى تَلَالِي نُورِ تِلْكَ الصُّورَةِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ وَبَسِيطِ جَوْهَرِهِ، فَيُلْقِي نُورُ نَاظِرِهِ إِلَى ذَلِكَ النُّورِ المَنْظُورِ إِلَيْهِ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ الإِدْرَاكِ، وَيَرْجِعُ نُورُ النَّاظِرِ إِلَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مِثْلَهُ حَسَبَ طَاقَتِهِ، وَهَذِهِ العِلَّةُ الَّتِي فِيهِ هِيَ عِلَّةُ العَالَمِ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: أَصْلُ العِلَّةِ فِي المَعْلُولِ كَالنَّاظِرِ فِي الزُّجَاجِ وَالبِلَّوْرِ وَالأَمْيَاهِ الصَّافِيَةِ الرَّقِيقَةِ فَلَا يَرَى إِلَّا نَظِيرَ صُورَتِهِ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى ذِكْرِ شَاهِدٍ مِنْ كِتَابِ الأُسُوسِ وَزَادَ فِيهِ مَا أَرَادَ وَنَقَصَ مِنْهُ مَا اتَّحَدَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُضُ أَسَاسَهُ وَيُخْمِدُ نِبْرَاسَهُ، وَنَحْنُ بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى نَأْتِي بِهِ عَنْ أَصْلِهِ العَارِي عَنِ الرَّبَائِثِ، وَنَمِيلُ إِلَى إِيضَاحِ مَا اشْتَكَلَ مِنْهُ




