ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ وَهُوَ مِمَّا يُكَذِّبُ تَعْبِيرَهُ الأَوَّلَ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَاتٌ وَنُورٌ وَضِيَاءٌ وَظِلٌّ لِعِلَّةِ المَنَاظِرِ فِي الخَلْقِ، وَلَكِنَّ الذَّاتَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ وَالنُّورُ نُورٌ وَاحِدٌ، فَقَدْ أَثْبَتَ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ كَامِلَ الخَلْقِ يَرَوْنَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَكَذَّبَ قَوْلَهُ الأَوَّلَ أَنَّهُ لَا يَرَاهُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ غَيْرَ الإِسْمِ وَالبَابِ وَاليَتِيمِ.
فَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُقَالُ ذَاتٌ وَنُورٌ وَضِيَاءٌ وَظِلٌّ لِعِلَّةِ المَنَاظِرِ فِي الخَلْقِ، فَهُوَ الحَقُّ الحَقِيقُ لَوْ أَرَادَ بِهِ مُرَادَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَأَشَارَ بِهِ إِشَارَةَ أَهْلِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ عَنْ فَحْوَاهُ غَافِلٌ وَلِسَرَائِرِهِ جَاهِلٌ، ثُمَّ ذَهَبَ مُتَسَلْسِلًا وَمُتَمَطَّيًا إِلَى أَقْوَالٍ يَرْوِهَا وَيَسْتَنِدُ إِلَيْهَا، وَهِيَ صَوَارِمُ تَجْذِمُ أُصُولَ مَا أَمَّلَهُ وَتَبْتُرُ فُرُوعَ مَا حَصَّلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا سُؤَالُكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ عَنِ السِّتَّةِ التَّجَلِّيَاتِ، إِعْلَمْ أَوَّلَ تَجَلِّي كَانَ عَلَى جَبَلِ قَافٍ، وَثَانِي تَجَلِّي عَلَى جَبَلِ فَارَانَ، وَثَالِثَ تَجَلِّي عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَرَابِعَ تَجَلِّي مِنَ الشَّجَرَةِ، وَخَامِسَ تَجَلِّي بِالنَّارِ، وَسَادِسَ تَجَلِّي بِالنُّورِ.
فَأَقُولُ: فَأَمَّا هَذَا القَوْلُ لَوْ اعْتَبَرَهُ مُحْبِرَةً لَوَجَدَهُ لِمَذْهَبِنَا بُرْهَانًا شَافِيًا وَجِلْبَابًا كَافِيًا، وَلِمَذْهَبِهِ مُنَافِيًا، وَلَكِنَّهُ أَعْكَمَ فِيهِ إِحْكَامَ الرِّجَالِ، وَعَزَمَ فِيهِ عَلَى التَّرْحَالِ بَعْدَ أَنْ شَمَّرَ عَنْ سَاقِ الضَّلَالِ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعِ المَقَالِ وَتَعَظَّمَ وَقَالَ: وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَيُّهَا الشَّيْخُ المَأْفُونُ وَالقَدِيمُ المَغْبُونُ إِنَّ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّخَانِيَّةَ هِيَ جَبَلُ قَافٍ المُحِيطِ بِالدُّنْيَا، وَإِنَّهَا هِيَ جَبَلُ فَارَانَ وَهِيَ جَبَلُ طُورِ سَيْنَاءَ




