قَالَ: هَذِهِ كُلُّهَا أَجْسَامُ الَّذِينَ أَجَابُوا الرَّبَّ وَقَبِلُوا دَعْوَتَهُ وَأَقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ فَقُلْتُ: سَيِّدِي، فَمَا حَالُ بَعْضِهَا أَشَدَّ ضِيَاءً مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا أَسْرَعَ سَيْرًا مِنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: فَأَمَّا شِدَّةُ الضِّيَاءِ فَهُوَ عَلَى كَثْرَةِ عُلُومِهِمْ، وَأَمَّا عُلُوُّ المَكَانِ فَهُوَ عَلَى قَدْرِ الإِجْتِهَادِ وَحَسَبِ المَوَاضِعِ الَّذِي أُمِرُوا بِالدُّعَاءِ فِيهَا، وَأَمَّا القُرْبُ وَالبُعْدُ فَهُوَ عَلَى حَسَبِ الأَمَاكِنِ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَى كُلِّ وَلِيٍّ مِنَ المُلاَزَمَةِ لِلْمَكَانِ وَالمُفَارَقَةِ لَهُ، فَقُلْتُ: سَيِّدِي، جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْزِلَةٌ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ الشَّمْسِ، فَإِنِّي لَسْتُ أَرَى فِي الفَلَكِ أَشَدَّ ضِيَاءً مِنْهَا؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ فَلَا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي العُلُوَّ فَنَعَمْ أَعْلَى مِنْهَا مَكُوثُهَا، وَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهَا ذَلِكَ النُّورُ المَلَكُوتِيِّ بِذَاتِهِ لَأَحْرَقَهَا وَلَذَابَتْ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ حَتَّى لَا تُحَسَّ وَلَا تُعَايَنَ، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ لَوْ ظَهَرَتْ بِكُلِّيَّتِهَا لِمَنْ دُونَهَا لَكَانَ يَكُونُ بِالحَالِ مِثْلُ ذَلِكَ.
فَهَذَا شَرْحٌ مَفْهُومٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَوْضِيحٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ: فَأَمَّا الخَمْسَةُ الَّذِينَ هُمْ زُحَلُ وَمُشْتَرِي وَمِرِّيخٌ وَزُهْرَةٌ وَعُطَارِدٌ فَإِنَّهُمْ يَقْتَبِسُونَ مِنَ القَمَرِ، وَالقَمَرُ يَقْتَبِسُ مِنَ الشَّمْسِ، وَالشَّمْسُ تَقْتَبِسُ مِنْ عَمُودِ الشَّبَحِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ هَذَا العَالَمِ.




