ثُمَّ قَالَ: فَلِذَلِكَ دَلِيلٌ وَإِشَارَةٌ تُوجَدُ أَهْلُ البَصَائِرِ حَقِيقَةَ شَرْحِ مَا نَحَنُ وَاصِفُوهُ، فَالمَعْرِفَةُ: هِيَ مَعْرِفَةُ وُجُودِ البَارِي فِي التَّجَلِّي الكَوْنِيِّ الظِّلِّيِّ الَّذِي لَاحَ لِلْأَبْصَارِ كَهَيْئَةِ البَشَرِ عِنْدَ تَجَلِّيهِ بِاللُّطْفِ وَالتَّأْنِيسِ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ المَعْرِفَةِ: هِيَ مَعْرِفَةُ الوُجُودِ النُّورِيِّ المُتَجَلِّي بِالمَثَلِ الأَعْلَى المُحِيطِ بِالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُدْرَةً وَقُوَّةً وَسُلْطَانًا وَعَظَمَةً، الَّذِي يَلُوحُ فِي العِيَانِ كَهَيْئَةِ النَّارِ المُقْبِلَةِ القُرْبَانِ المُشْرِقَةِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ، المُسْتَعْلَنَةِ مِنْ سَاعِيرَ المُنَوَّرَةِ مِنْ فَارَانَ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عِرْفَانِ المَعْرِفَةِ: هِيَ إِيجَادُ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ مِنْ تِلْكُمَا الصُّورَتَيْنِ بُرْهَانًا لِلنَّاظِرِينَ وَثَمَرًا لِلْمُجْتَنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُ يُونُسَ لِلْمُفَضَّلِ هَلْ فَوْقَ هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ المُفَضَّلُ هَايْ هَايْ: فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ يَقُولُ: إِنَّ لَفْظَةَ هَايْ هَايْ، أَيْ أَنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ هِيَ الصُّورَةُ الظِّلِّيَّةُ، وَهَذَا القَوْلُ لَابَأْسَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ هَايْ هَايْ: أَيْ نَعَمْ نَعَمْ تَكْرِيرًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ فَقَالَ: نَعَمْ نَعَمْ، إِنَّمَا خَرَجَ لَكُمْ أَبُو الخِطَابِ بِحَرْفَيْنِ حَرْفٌٍ مَعْوَجٌّ وَحَرْفٌ مُسْتَقِيمٌ اسْتِدْرَاكًا وَاسْتِئْنَافًا لِمَعْرِفَةِ الوُجُودِ الأَقْصَى.
ثُمَّ قَالَ: فَأَضَاءَ لَهُ الحَرْفُ المَعْوَجُّ فَامْتَحَنَهُ، فَأَظْلَمَ المُسْتَقِيمُ، فَضِيَاءُ المَعْوَجِّ هُوَ نَضَّاحَةُ النُّورِ الفَائِضِ عَلَى الظِّلِّ المُتَمَثِّلِ بِالخَيَالِ كَهَيْئَةِ المَاءِ النَّاضِخِ




