وَقَوْلُهُ: وَحَجَبَ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وَهُوَ التِفَافُ الحَرْفَيْنِ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي فَإِذَا كَانَ حِجَابُ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ، فَالصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ بِأَيِّ شَيْءٍ حِجَابُهَا إِذَا كَانَتْ لَمْ تُرَ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ تُرَ الصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ فِي وَقْتِنَا هَذَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ بَقِيَتْ مُحْتَجِبَةً الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ، وَلِمَ لَا يَنْكَشِفُ عَنْهَا الحِجَابُ إِذَا كَانَ حِجَابُهَا قَدْ غَابَ، وَكَيْفَ يُسَمِّي الصُّورَةَ حِجَابٍ مِنْ بَعْدِ تَقْرِيرِهِ أنَّهَا هِيَ الذَّاتُ؟! فَسُحْقًا وَبُعْدًا لِمَنْ أَقَرَّ بِالحَقِّ وَأَنْكَرَهُ وَلَكِنَّ الحَقَّ نُورٌ لَا يَخْفَى وَنِبْرَاسُهُ لَا يُطْفَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالمُسْتَقِيمُ هُوَ صُورَةُ الوُجُودِ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ وَهِيَ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ، فَلَقَدْ فَهِمْنَا دَقِيقَ إِشَارَتِهِ فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا الضِّيَاءُ يَعْنِي بِهِ النَّهَارَ، وَالظِّلُّ يَعْنِي بِهِ اللَّيْلَ، وَصُورَةُ الوُجُودِ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَهُمْ هِيَ الإِحْمِرَارُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي الغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، وَهِيَ عِنْدَهُ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا يَوْمَ الذَّرْوِ، وَفِي يَوْمِ الذَّرْوِ كَانَتْ أَبْيَنَ وَأَكْشَفَ مِنْ وَقْتِنَا هَذَا، وَلَمَّا أَلْبَسَهُمُ القُمُصَ البَشَرِيَّةَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمُ، أَيْ اسْتَكَنَّ ضِيَاءُ تِلْكَ الصُّورَةِ عَمَّا كَانَتْ تَرَى عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الذَّرْوِ، وَهَذَا يَوْمُ القِيَاسِ الَّذِي يَضِلُّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ.




