عَلَيْهِ المُسْتَقِيمُ، فَالمُسْتَقِيمُ هُوَ صُورَةُ الوُجُودِ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ وَهِيَ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا يَوْمَ الذَّرْوِ، وَلَمَّا أَلْبَسَهُمُ القُمُصَ البَشَرِيَّةَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمُ، أَيْ أَعْدَمَهُمْ ذَلِكَ الوُجُودَ وَحَجَبَهُمْ عَنِ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَحَجَبَ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ بِالبَشَرِيَّةِ، وَهُوَ التِفَافُ الأَلِفِ بِاللَّامِ وَالصُّورَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَالهَاءُ الَّذِي بَيْنَهُمْ القُدْرَةُ الحَائِطَةُ لِلْكَائِنَاتِ، وَكُلُّهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَكِنْ حَسْبَ المَنَاظِرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ المُسْتَقِيمَ لِأَنَّ صُورَةَ النُّورِ هِيَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لَاعِوَجَ فِيهِ... وَمَرَّ فِي القَوْلِ.
فَأَقُولُ: فَأَمَّا هَذَا الوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي أَتَى بِهِ: فَفِيهِ بَعْضُ الأُصُولِ لِمَنْ تَمَعَّنَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ: إِنَّ الحَرْفَيْنِ هُمَا الصُّورَتَانِ، وَالهَاءَ القُدْرَةَ الحَائِطَةَ بِالحَرْفَيْنِ، وَلَكِنَّهُ حَوَّلَ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلٍ أَكْثَرْتَ فِيهِ إِلَى نَفْيِ الوُجُودِ النُّورِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَمَّا أَلْبَسَهُمُ القُمُصَ البَشَرِيَّةَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمُ، أَيْ أَعْدَمَهُمْ ذَلِكَ الوُجُودَ النُّورِيَّ وَحَجَبَهُمْ عَنِ الصُّورَةِ النُّورِيَّةِ، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إِنَّ الخَلْقَ فِي وَقْتِنَا هَذَا مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَةِ الوُجُودِ مُطْلَقًا، فَتَكُونُ إِشَارَتُهُمْ إِلَى الغَيْبِ كَوْنِهِمْ فِي وَقْتِنَا هَذَا لَا يَرُونَ الوُجُودَ البَشَرِيَّ وَالنُّورِيَّ فَمَحْجُوبُونَ عَنْهُ عَلَى مَاقَرَّرَ هَذَا الرَّجُلُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَيُّ شَيْءٍ حَصَّلُوا مِنَ الوُجُودِ وَالظُّهُورِ، كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا، وَأَمَّا إِنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى قَوْلِهِ الأَوَّلِ كَانَ أَوْفَقَ عَلَيْهِ وَأَجْمَلَ.




