مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

غنيمة السفر وبلوغ الوطر - الشيخ حسين الأحمد

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 127 من 283

فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الحُجُبِ وَالأَنْوَارِ: قُلْتُ: سَيِّدِي، فَإِلَى مَا يَدْعُو الدَّاعِي؟ قَالَ: إِلَى الأَدْيَانِ الأَرْبَعَةِ، فَقُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِلَى البَهْمَنِيَّةِ البَيْضَاءِ الزَّاهِرَةِ المُنِيرَةِ.

فَأَقُولُ: لَوْ أَنَّ هَذَا الجَهُولَ تَبَصَّرَ تَبَصُّرَ نُقَّادٍ وَرَفَعَ العِنَادَ لَسَارَعَ إِلَى الاِنْقِيَادِ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذَا القَوْلَ مِمَّا يَنْقُضُ ظَهْرَهُ وَيُحَلِّلُ أَزْرَهُ وَيُزَلْزِلُ أَرْكَانَهُ وَيَهْدِمُ بُنْيَانَهُ، وَمَا كَانَتِ الإِشَارَةُ فِي البَهْمَنِيَّةِ البَيْضَاءِ إِلَّا إِلَى الغُرَّةِ البَدْرِيَّةِ المُشْرِقَةِ المُضِيئَةِ السَّارِيَةِ مِنْ أَقْصَى الصِّينِ، السَّارِيَةِ بَيْنَ الدَّهَاقِينِ، السَّارِحَةِ فِي رَوْضِ عِلِّيِّينَ، وَهِي الَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا الدَّاعِي يَوْمَ الكَشْفِ وَهُوَ ظُهُورُ المَوْلَى وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ مِنْ شَعْرٍ وَمِدْرَعَةٌ مِنْ شَعْرٍ وَفِي وَسَطِهِ كُسْتِيجٌ وَعَلَيْهِ عَسَلِيٌّ حَمِيدِيٌّ، فَإِذَا رَأَتْهُ المَجُوسُ بِالكُسْتِيجِ سَجَدَتْ لَهُ وَعَظَّمَتْهُ وَقَالُوا: هَذَا إِلَهُنَا وَإِذَا رَأَتْهُ اليَهُودُ بِالعَسَلِيِّ يَقُولُونَ: هَذَا مُوسَى، وَإِذَا رَأَتْهُ النَّصَارَى بِالزُّنَّارِ اللَّاهُوتِيِّ قَالُوا: هَذَا هُوَ المَسِيحُ، وَإِذَا رَأَتْهُ المُسْلِمُونَ بِالبُرْدَةِ وَالقَضِيبِ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(1).

وَهُوَ قَوْلُهُ: يَدْعُو إِلَى الأَدْيَانِ الأَرْبَعَةِ، أَيْ: نَدْعُو كُلَّ أُمَّةٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ إِلَى حَقِيقَةِ دِينِهَا، وَيُجَادِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ، لِأَنَّهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ ظَوَاهِرُ هَذِهِ الكُتُبِ تَبَايَنَتْ شَرَائِعُ هَذِهِ الأُمَمِ، فَبَاطِنُهَا وَاحِدٌ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالَّذِي أَتَى فِيهِ عِيسَى هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِ مُوسَى، وَالَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِ عِيسَى، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الهَوَى.

فَعِنْدَ الكَشْفِ يَدْعُوهُمْ إِلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ، أَيْ يَدْعُوهُمْ إِلَى حَقِيقَةِ شَرَائِعِهِمْ وَسَرَائِرِ أَدْيَانِهِمْ وَبَوَاطِنِ كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ عَلَى أَلْسُنِ أَنْبِيَائِهِمْ، فَيَجِدُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ دَلَالَةً عَلَى مَعْرِفَةِ البَهْمَنِيَّةِ البَيْضَاءِ لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ: قُلْتُ: سَيِّدِي، مَاهُوَ الدَّاعِي؟ قَالَ: هُوَ الدَّاعِي مِنْ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَرَسُولُ نَفْسِهِ إِلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ القَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، فَعِنْدَهَا يَكْشِفُ الحَقَّ وَيُزْهِقُ البَاطِلَ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ البَاطِنِ، وَتُعْرَفُ حَقِيقَةُ حَقَائِقِ الإِيمَانِ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَهْلُ الطُّغْيَانِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾(2)، أَيْ: يَدْعُو إِلَى مَا أَنْكَرَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَأَمْثَالُهُ وَهُوَ البَهْمَنِيَّةُ البَيْضَاءُ وَهُوَ تَجَلِّي مَوْلَانَا مِنْ عَيْنِ الشَّمْسِ وَفِي يَدِهِ ذُو الفَقَارِ، فَتَشْخَصُ إِلَيْهِ أَبْصَارُ الخَلَائِقِ.

ثُمَّ أَتَى هَذَا الرَّجُلُ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ مِنْ رِسَالَةِ الأَنْدِيَةِ وَالمِصْرِيَّةِ وَخِلَافِهِمْ تَرَكْنَاهُ لِاشْتِهَارِهِ فِي أَيْدِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَاللهُ الهَادِي إِلَى طَرِيقِ التَّسْدِيدِ.

الهوامش

1سورة الانفال الاية 24
2سورة القمر الاية 6
الصفحة 127 من 283