فَأَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرَّدُّ عَلَى هَذَا القَوْلِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ لِأَنَّهُ عَنْ مَوَالِينَا مَنْقُولٌ وَإِلَيْنَا مَبْذُولٌ وَفِي طَيِّهِ مَحْضُ الأُصُولِ، وَلَكِنِّي إِذَا سَأَلْتُ هَذَا الرَّجُلَ عَنِ النَّارِ المُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ، أَيْنَ هِيَ؟ وَأَيْنَ تُوجَدُ؟ وَأَيْنَ تُرَى؟ وَكَيْفَ سُمِّيَتْ مُوقَدَةً؟ أَفْحَمَ وَارْتَطَمَ، وَإِنْ ذَكَرْتُ لَهُ: إِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَتَوَقَّدُ بِالبَرْهَرَةِ وَالسَّنَاءِ: أَكْفَهَرَّ وَاخْرَنْشَمَ، ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْ عَنِ الحُطَمَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ مُؤْصَدَةً، فَيَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ عَزْمُهُ وَيَنْقَطِعُ عِلْمُهُ وَتَدَارَكَ وَهْمُهُ وَوَهْنُهُ وَسَقَمُهُ جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ سَرْمَدًا.
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا سُؤَالُكَ عَنِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ وَكَيْفَ اِنْسِلَاخُهَا، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: وَهَذَا شَرَحَهُ صَاحِبُ كِتَابِ الحُجُبِ وَالأَنْوَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو الهَيْثَمِ: سَأَلْتُ مَوْلَايَ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾(1)؟ فَقُلْتُ: سَيِّدِي، مَا مَعْنَى الأَشْهُرِ الحُرُمِ؟ فَقَالَ: الأَئِمَّةُ، وَوَجْهٍ آخَرَ: الأَشْخَاصُ، وَوَجْهٍ آخَرَ: أَسْمَاءُ المَعْنَى وَاحِدٌ، أَمَّا تَعْلَمُ أَنَّ الأَشْهُرَ مُضَافَةٌ إِلَى السَّنَةِ، فَإِذَا تَمَّتِ الأَشْهُرُ سُمِّيَتْ بِاسْمِ السَّنَةِ، فَأَفْرَدَ إِسْمَ السَّنَةِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ﴾ تَمَّتِ الأَشْخَاصُ، بِمَعْنَى ظُهُورِهِ بِهَا.
فَأَقُولُ: إِنَّهُ أَتَى بِالجَوَابِ الكَافِي لَوْ فَهِمَ الرَّمْزَ الشَّافِيَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الأَشْهُرَ الحُرُمَ هُمُ الأَئِمَّةُ، وَمَعْنَى انْسَلَخَتْ: أَيْ تَمَّتْ، وَإِذَا تَمَّتِ الأَشْهُرُ، أَيْ كَمُلَ عَدَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ، وَإِذَا كَمُلَ عَدَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ سُمِّيَتْ سَنَةً كَامِلَةً تَامَّةً.
وَالحَقِيقَةُ فِي قَوْلِهِ: وَوَجْهٍ آخَرَ هُمْ أَسْمَاءُ المَعْنَى، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الأَشْهُرَ مُضَافَةٌ إِلَى السَّنَةِ، أَيْ أَسْمَاءُ المَعْنَى مُضَافَةٌ إِلَيْهِ وَمُتَفَرِّعَةٌ عَنْ ظِلِّ وُجُودِهِ فِي




