وَأَمَّا الصَّاعُ: فَهُوَ البَابُ النَّاطِقُ الَّذِي مِنْ عِنْدِهِ تُكَالُ عُلُومُ الحَقِّ، فَتَمْتَدُّ بِهَا أَهْلُ المَرَاتِبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى المَظْهَرِ الضِّيَائِيِّ الَّذِي يُشَاهِدُهُ البَابُ فِي كَوْنِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فِي رَحْلِهِ، يَرَاهُ مَنْ اعْتَبَرَهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ وَصَبْرِهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ هَذَا الوَلْهَانُ بِذِكْرِ المِيزَانِ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ فِي القُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا سُؤَالُكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ عَنِ المِيزَانِ: فَرُوِيَ أَنَّهُ البَابُ الأَكْرَمُ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾(1) ثُمَّ كَذَّبَ قَوْلَهُ بِمَا رَوَاهُ عَنِ البَاقِرِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ -عَزَّ عَزُّهُ- : فَالسَّمَاءُ هِيَ سَلْسَلٌ رَفَعَهَا عَنِ العَالَمِ، وَوَضَعَ المِيزَانَ: وَهُوَ العِلْمُ.
فَتَارَةً يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ: إِنَّ السَّمَاءَ هِيَ سَلْسَلٌ، وَتَارَةً يَقُولُ: إِنَّهَا هِيَ الذَّاتُ، وَإِنَّ الْقَمَرِ(2) هُوَ سَلْسَلٌ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِيُثْبِتَ أَنَّ الْقَمَرِ(3) هُوَ البَابُ وَهُوَ المِيزَانُ المَوْضُوعُ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَمَا عَلِمَ بِأَنَّهُ هُوَ مِيزَانُ العَدْلِ وَالقِسْطِ وَالبُرْهَانِ الَّذِي بَانَ وَظَهَرَ وَشُوهِدَ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ فِي الدَّارَيْنِ بِحَسَبِ الحُكْمِ وَالمُشَابَهِ، ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾(4)، ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(5).
ثُمَّ اسْتَرْجَعَ هَذَا الضَّالُّ المُضِلُّ فَقَالَ: وَأَمَّا فِي بَاطِنِ البَاطِنِ فَالمِيزَانُ هُوَ أَمِيرُالنَّحْلِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ العَالِمِ وَالسَّائِلِ فِي كِتَابِ الأُسُوسِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَفْكُكُ عُرَاهُ وَيَهْدِمُ مَا بَنَاهُ لَوْ تَمَيُّزَهُ وَدَرَاهُ.
ثُمَّ ذَهَبَ فِي القَوْلِ إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ السَّائِلُ: فَكَيْفَ كَانَ فِي القِدَمِ وَكَيْفَ كَانَ فِي الحَدَثِ فِي كِيَانِ القُدْرَةِ وَالعِلْمِ وَالمَشِيئَةِ وَالرُّوحِ، أَكَانَتْ كَامِلَةً كَامِنَةً فِيهِ، أَوْ كَذَا جِنْسُهُ؟
قَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَثَلُ ذَلِكَ كَمِثْلِ المِيزَانِ، كِفَّتَاهُ فِيهِ، وَعَلَاقَتُهُ فِيهِ وَكِيَانُهُ فِيهِ وَعَلَاقَتُهُ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ المِيزَانِ اللِّسَانُ، وَالتَّقْوِيمُ وَالِكفَّتَانِ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُوزَنُ بِهِ إِذَا كَانَ لِعِلَّةِ الخَلْقِ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى العَدْلِ بَيْنَهُمْ وَإِنْ كَانَتِ الكِفَّتَانِ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً، فَكِيَانُ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ كِيَانُ القَادِرِ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ، وَلَا يُقَالُ العِلْمُ وَالقُدْرَةُ لَهُمَا قَادِرٌ، فَيَجْعَلُونَ القَادِرَ لَهَا وَهِيَ لِلْقَادِرِ.




