﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ﴾(1) أَي: إِنِّي عَبْدَةٌ مُخْلِصَةٌ لَكَ فَعَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَقَالَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ﴾(2) أَي: دَلَّهَا عَلَى الإِسْمِ أَنَّهُ رَبَّانِيُّ الدَّعْوَةِ الَّتِي نَصَبَهَا لَهَا، وَأَيُّ مَنْ فَتَحَ اللَّهُ قَفْلَ قَلْبِهِ وَأَسْرَجَ لَهُ عَلِمَ أَنَّ فِي هَذَا القَوْلِ رَمْزٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ العِلْمَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، مَعَمَا أَنَّ زُلَيْخَا هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الخَثْعَمِيَّةُ وَمَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ مَا لَيْسَ لَهَا بِحَقٍّ، وَكَوْنُ جَمِيعِ العَوَالِمِ العُلْوِيَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنِ الغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَمَعْصُومُونَ مِنْهُ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَوْقَ رُتْبَتِهِ وَلَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِ مَنْزِلَتِهِ وَلَا يُرِيدُ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، بَلْ هُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾(3)، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ المَسِيحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ﴾(4)، وَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ فِي إِحْدَى قَصَائِدِهِ:
وَالعَالِمَانِ فَمَا يَزْدَادُ وَاحِدُهُمَا | عَلَى مَحَلَّةِ شَيْءٍ أَيْنَ مَا مَلَكْنَا |




