عَاكِفُونَ، وَقَدْ حَرَّفُوا الآيَاتِ وَالسُّوَرِ، وَاعْتَقَدُوا عِبَادَةَ الشَّمْسِ(1) وَلِلْقَمَرِ(2) مِنْ دُونِ مَوْلَاهُمُ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ، وَقَدْ أَوَّلُوا الكُتُبَ وَالرَّسَائِلَ عَلَى مَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمُ العَوَاطِلُ، وَيَكْشِفُونَ عِلْمَهُمْ لِلزَّانِي وَالمَابُونِ وَأَوْلَادِ العَوَاهِرِ وَالسَّارِقِ وَالدَّيُّوثِ، وَمَنْ هُوَ لِلنَّفْسِ المُحَرَّمَةِ قَاتِلٌ، وَلَمْ يَزَالُوا يَدَّعُونَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ الجَلِيَّةَ الغَامِضَةَ لِلْجَاهِلِ وَالعَاقِلِ، وَيَدْحَضُوهَا وَيَطْعَنُونَ عَلَى أَهْلِهَا بِالكَلَامِ العَاطِلِ... إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ مِنْهُمْ هَذِهِ الخِصَالَ وَالبِدَعَ وَالمُحَالَ وَالشَّكَّ وَالضَّلَالَ وَسُوءَ المَقَالِ لَمْ يَسَعْنِي الصَّمْتُ وَالكِتْمَانُ... إِلَى أَنْ قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَتْنِي الغَيْرَةُ إِلَى تَأْلِيفِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ المُنِيرَةِ وَسَمَّيْتُهَا (دُرَّةَ الدُّرَرِ بِنَفْيِ عِبَادَةِ الشَّمْسِ(3) وَ لِلْقَمَرِ(4) وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ ضَلَّ وَكَفَرَ وَعَنْ مَنْهَجِ الحَقِّ صَدَّ وَنَفَرَ)، وَأَبْطَلْتُ فِيهَا أَقَاوِيلَهُمْ وَأَدْحَضْتُ حُجَجَهُمْ وَأَبَاطِيلَهُمْ.
فَأَقُولُ مُحَوْقِلًا بِحَوْلِ مَنْ لَهُ الحَوْلُ وَالطَّوْلُ مِنَ مَخْرَقَةِ هَذَا الجَهُولِ وَمُسْتَعِيذٌ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَاهَدَرَ فِيهِ مِنَ القَوْلِ، وَمَا رَمَانَا فِيهِ مِنَ الفِعْلِ المَهُولِ ثُمَّ وَلَمْ يَسْتَحِ مِنْ تَسْمِيَةِ رِسَالَتِهِ بِهَذَا الإِسْمِ مُفْتَخِرًا بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهَا أَصْلُ الدُّرَرِ وَأُمُّهُمْ، وَالدُّرَرُ هُمْ كُتُبُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ أُمُّهُمْ وَأَصْلُهُمْ وَمَعْدِنُهُمْ وَحَاوِيَةُ رُمُوزِهِمْ وَحَافِظَةُ كُنُوزِهِمْ تَشْبِيهًا بِالقُرْآنِ العَظِيمِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى السَّيِّدِ المِيمِ الإِسْمِ العَظِيمِ، وَعَمِيَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(5)، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِزِيَادَةِ العُجْبِ وَالكِبْرِ الكَامِنَانِ فِي نَفْسِهِ، الوَاقِعَانِ فِي شَخْصِهِ، اللَّذَيْنِ أَصْلُهُمَا اعْتِقَادُ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ، لِأَنَّ أَهْلَ الضَّلَالِ وَالكُفْرِ إِنَّمَا أَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ لِعُجْبِهِمْ بِآرَائِهِمْ وَكِبْرِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ، فَعِلَاجُ ذَلِكَ يَعْسُرُ عَلَى الأَطِبَّاءِ إِذْ صَاحِبُهُ يَظُنُّهُ عِلْمًا لَا جَهْلًا وَنِعْمَةً لَا نِقْمَةً وَصِحَّةً لَا مَرَضًا، فَلِذَلِكَ لَا يَقْبَلُ العِلَاجَ وَلَا يُصْغِي لِطَبِيبٍ يَرَى لَهُ البُرْءَ.
وَقَدْ كَانَ سَمَّى بَارِئَهُ بِهَذَا الإِسْمِ بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ تَحْمِيدِهِ فِي صَدْرِ رِسَالَتِهِ بِقَوْلِهِ: فَاطِرُ الفَطْرِ وَمَظْهَرُ القَدَرِ وَمَعْدِنُ الصُّوَرِ وَدُرَّةُ الدُّرَرِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِخَطَلِهِ وَخَطَائِهِ وَحَيْرَتِهِ وَعَمَاهُ وَاسْتِكْبَارِهِ وَشَقَاهُ، وَأَكْبَرُ العَجَبِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ لَهَا الرِّسَالَةَ المُنِيرَةَ، وَهِيَ دَاعِيَةٌ إِلَى حَلَكَةِ ظُلْمَةِ العَمَى وَالحَيْرَةِ، وَقَائِدَةٌ إِلَى مَهَاوِي الغَيِّ وَالرَّدَى وَالعِبْرَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ فِيهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ تَأْلِيفِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ المُنِيرَةِ أَنَّهُ وَقَعَ إِلَيَّ قَرِيضٌ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ البَسْطُوِيرِيِّ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ




