هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) * 1 فذلك كله حق ، وليس مجيئه 2 جل ذكره كمجيء 3 خلقه ، فإنه رب [ كل ] شيء ، ومن كتاب الله عز وجل ما يكون تأويله على غير تنزيله ، ولا يشبه تأويله كلام البشر ولا فعل البشر ، وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إن شاء الله تعالى ، وهو حكاية الله عز وجل عن إبراهيم ( عليه السلام ) حيث قال : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * 4 ، فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده ، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله ! وقال : وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ 5 ، وقال : وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيه بَأْسٌ شَدِيدٌ ) * 6 ، فإنزاله ذلك خلقه إياه ، وكذلك قوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ 7 ، أي الجاحدين . فالتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره . ومعنى قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) * ، فإنما خاطب نبينا ( صلى الله عليه وآله ) : هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني بذلك أمر ربك ، والآيات هي العذاب في دار الدنيا كما عذب الأمم السالفة والقرون الخالية ، وقال : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها 8 ، يعني بذلك ما يهلك من القرون ، فسماه إتيانا ، وقال : قاتَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ 9 ، أي لعنهم الله أنى يؤفكون ، فسمى اللعنة قتالا ، وكذلك قال : قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ) * 10 ، أي لعن الإنسان ، وقال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّه رَمى 11 ، فسمى فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) فعلا له ، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ! ومثله قوله : بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
1الأنعام 6 : 158 .
2في المصدر : وليست جيئته .
3في المصدر : كجيئة .
4الصافات 37 : 99 .
5الزمر 39 : 6 .
6الحديد 57 : 25 .
7الزخرف 43 : 81 .
8الرعد 13 : 41 .
9التوبة 9 : 30 .
10عبس 80 : 17 .
11الأنفال 8 : 17 .




