مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

البرهان في تفسير القرآن - الجزء 4 - السيد هاشم البحراني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 393 من 835

المؤمنين ( عليه السلام ) يجوز الخندق ، ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم ، فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلي ، فإذا أصبح رجع إلى مركزه ، ومسجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هناك معروف ، يأتيه من يعرفه فيصلي فيه ، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة 1 النشاب . فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح ، وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم ، فدعا الله ، وناجاه فيما وعده ، وكان مما دعاه أن قال : « يا صريخ المكروبين ، ويا مجيب دعوة المضطرين ، ويا كاشف الكرب العظيم ، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الأولين ، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا ، واكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك ، وحولك ، وقدرتك » . فنزل عليه جبرئيل ( عليه السلام ) ، فقال : « يا محمد ، إن الله قد سمع مقالتك ، وأجاب دعوتك ، وأمر الدبور - وهي الريح - مع الملائكة أن تهزم قريشا والأحزاب » . وبعث الله على قريش الدبور ، فانهزموا ، وقلعت أخبيتهم ، فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) ، فأخبره بذلك ، فنادى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حذيفة بن اليمان ، وكان قريبا منه ، فلم يجبه ، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه ، ثم ناداه الثالثة ، فقال : لبيك يا رسول الله . قال : « أدعوك فلا تجيبني ؟ » قال : يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - من الخوف ، والبرد ، والجوع . فقال : « ادخل في القوم ، وائتني بأخبارهم ، ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي ، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش ، وهزمهم » . قال حذيفة : فمضيت وأنا انتفض من البرد ، فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام ، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبوا وتوقد ، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد ، ويقول : يا معشر قريش ، إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء ، وإن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم ، ثم قال : لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا . فقال حذيفة : فبادرت أنا ، فقلت للذي عن يميني : من أنت ؟ فقال : أنا عمرو بن العاص . ثم قلت للذي عن يساري : من أنت ؟ قال : أنا معاوية ، وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد منهم من أنت . ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة ، ولولا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي » لقدرت أن أقتله ، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد : يا أبا سليمان ، لا بد من أن أقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس . ثم قال لأصحابه : ارتحلوا ، إنا مرتحلون ، فنفروا 2 منهزمين ، فلما أصبح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال لأصحابه : « لا تبرحوا » . فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة ، وبقي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في نفر يسير . وكان أبو فرقد 3 الكناني رمى سعد بن معاذ ( رحمه الله ) بسهم في الخندق فقطع أكحله 4 فنزفه الدم ، فقبض

الهوامش

1الغلوة : قدر رمية بسهم . « لسان العرب - غلا - 15 : 132 » .
2في المصدر : ففرّوا .
3في المصدر : ابن فرقد .
4الأكحل : عرق في اليد . « لسان العرب - كحل - 11 : 5886 » .
الصفحة 393 من 835