وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي ، وإكراما 1 نحلنيه ، وإعظاما وتفضيلا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منحنيه ، وهو قوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَه الْحُكْمُ وهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ) * 2 . وفي مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع ، وطال لها الاستماع ، ولئن تقمصها دوني الأشقيان ، ونازعاني فيما ليس لهما بحق ، وركباها ضلالة ، واعتقداها جهالة ، فلبئس ما عليه وردا ، ولبئس ما لأنفسهما مهدا ، يتلاعنان في دورهما ، ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه ، يقول لقرينه إذا التقيا : يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) * 3 ، فيجيبه الأشقى على رثوثته 4 : * ( يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولًا ) * ، فأنا الذكر الذي عنه ضل ، والسبيل الذي عنه مال ، والإيمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إياه هجر ، والدين الذي به كذب ، والصراط الذي عنه نكب ، ولئن رتعا في الحطام المنصرم ، والغرور المنقطع ، وكانا منه على شفا حفرة من النار ، لهما على شر ورود ، في أخيب وفود ، وألعن مورود ، يتصارخان باللعنة ، ويتناعقان بالحسرة ، ما لهما من راحة ، ولا عن عذابهما من مندوحة 5 ، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام ، وسدنة أوثان ، يقيمون لها المناسك ، وينصبون لها العتائر 6 ، ويتخذون لها القربان ، ويجعلون لها البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، ويستقسمون بالأزلام ، عامهين 7 عن ذكر الله عز ذكره ، جائرين 8 عن الرشاد ، ومهطعين 9 إلى البعاد ، قد استحوذ عليهم الشيطان ، وغمرتهم سوداء الجاهلية ، ورضعوها جهالة ، وانفطموها 10 ضلالة ، فأخرجنا الله إليهم رحمة ، وأطلعنا عليهم رأفة ، وأسفر بنا عن الحجب ، نورا لمن اقتبسه ، وفضلا لمن اتبعه ، وتأييدا لمن صدقه ، فتبوؤا العز بعد الذلة ، والكثرة بعد القلة ، وهابتهم القلوب والأبصار ، وأذعنت لهم الجبابرة وطواغيتها 11 ، وصاروا أهل نعمة مذكورة ، وكرامة ميسورة 12 ، وأمن بعد خوف ، وجمع بعد كوف 13 ، وأضاءت بنا مفاخرة معد بن عدنان ، وأولجناهم باب الهدى ، وأدخلناهم دار السلام ، وأشملناهم
1في المصدر : وتكرّما .
2الأنعام 6 : 62 .
3- الزخرف 43 : 38 .
4الرّثوثة : البلى . « لسان العرب - رثث - 2 : 151 » .
5المندوحة : المتّسع . « لسان العرب - ندح - 2 : 612 » .
6العتائر : جمع عتيرة ، الذّبيحة التي كانت تذبح للأصنام . « النهاية 3 : 178 » . وفي « ط » نسخة بدل : القتائب .
7العمة : التّحيّر والتّردّد . « لسان العرب - عمه 13 : 519 » .
8في « ط » : جائزين ، وفي المصدر : حائرين .
9أهطع : أقبل على الشيء ببصره فلم يرفعه عنه ، ولا يكون إلَّا مع خوف ، والإهطاع : الإسراع في العدو . « لسان العرب - هطع - 8 : 372 » .
10في « ي ، ط » : وانتظموها .
11في المصدر : وطوائفها .
12في « ج » : منشورة .
13أي تفرّق وتقطَّع ، وفي نسخة من « ط » : بعد حوب ، والحوب : الوحشة والحزن .




