مصائبهم وفجائعهم 1 ، فقد كانت على سعة من الآمال ، ولم تك مصيبة عظمت ، ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأن الله حسم 2 به الإنذار والإعذار ، وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه ، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ، ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ، ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال في محكم كتابه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه ومَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) * 3 ، فقرن طاعته بطاعته ، ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلا على ما فوض الله إليه ، وشاهدا له على من اتبعه وعصاه ، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم ، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه ، والترغيب في تصديقه ، والقبول لدعوته : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * 4 ، فاتباعه ( عليه السلام ) محبة الله ، ورضاه غفران الذنوب ، وكمال النور 5 ووجوب الجنة ، وفي التولي عنه والإعراض محادة الله ، وغضبه وسخطه ، والبعد منه مسكن النار ، وذلك قوله : ومَنْ يَكْفُرْ بِه مِنَ الأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُه 6 يعني الجحود به ، والعصيان له . وإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده ، وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده ، وجعلني زلفة للمؤمنين ، وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشد بي أزر رسوله ، وأكرمني بنصره ، وشرفني بعلمه ، وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته ، واصطفاني لخلافته في أمته ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) وقد حشده المهاجرون والأنصار ، وغصت 7 بهم المحافل : أيها الناس ، إن عليا مني كهارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه وأمه كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه ، ولا كنت نبيا فأقتضي نبوة ، ولكن كان ذلك منه استخلافا لي ، كما استخلف موسى هارون ( صلى الله عليهما ) ، حيث يقول : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) * 8 . وقوله ( صلى الله عليه وآله ) حين تكلمت طائفة فقالت : نحن موالي رسول الله فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى حجة الوداع ، ثم صار إلى غدير خم ، فأمر فأصلح له شبه المنبر ، ثم علاه ، وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه ، رافعا صوته ، قائلا في محفله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه فكانت على ولايتي ولاية الله ، وعلى عداوتي عداوة الله ، فأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * 9 فكانت ولايتي كمال الدين ، ورضا الرب جل ذكره .
1في المصدر : وفجائعها بهم .
2أي قطع ، وفي المصدر : ختم .
3النساء 4 : 80 .
4آل عمران 3 : 31 .
5في المصدر : الفوز .
6هود 11 : 17 .
7في « ط » : انقضت .
8الأعراف 7 : 142 .
9المائدة 5 : 3 .




