مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

البرهان في تفسير القرآن - الجزء 3 - السيد هاشم البحراني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 548 من 851

الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة ، وأن ذلك شهادة من الله تعالى بالصدق له ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر ، لم 1 يكن فيه فائدة لكم ، إن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا ، ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز ، لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها ، ولو أن إنسانا طار كطيرانها لكان ذلك معجزا ، فالله عز وجل سهل عليكم الأمر ، وجعله بحيث تقوم عليكم الحجة ، وأنتم تقترحون العمل الصعب الذي لا حجة فيه . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : وأما قولك : ما أنت إلا رجلا مسحورا ، فكيف أكون كذلك ، وأنتم تعلمون أني في 2 التمييز والعقل فوقكم ؟ فهل جربتم علي مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة 3 أو كذبة أو خنا 4 أو خطأ من القول ، أو سفها من الرأي ؟ أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته ؟ وذلك ما قال الله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) * 5 إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجه أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : وأما قولك : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * 6 ، الوليد بن المغيرة بمكة ، أو عروة بن مسعود بالطائف فإن الله تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر له عنده كما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة منها 7 ، وليس قسمة رحمة الله إليك ، بل الله القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عز وجل ممن يخاف أحدا كما تخافه أنت لماله أو حاله ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله فيخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب ، فتقدم من لا يستحق التقديم ، وإنما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وخلاله 8 ، إلا الأفضل في طاعته والأجد في خدمته ، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وخلاله إلا أشدهم تباطؤا عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال ، بل هذا المال والحال من فضله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب 9 ، فلا يقال له : إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا ، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضلا ، لأنه تفضل قبله بنعمه ، ألا ترى - يا عبد الله - كيف أغنى واحدا وقبح صورته ؟ وكيف حسن صورة واحد وأفقره ؟ وكيف شرف واحدا أفقره ؟ وكيف

الهوامش

1في المصدر : لم يكن في ذلك ما يدلَّكم .
2في المصدر زيادة : صحة .
3في المصدر زيادة : أو زلَّة .
4الخنا : الفحش في القول . « لسان العرب - خنا - 14 : 244 » .
5الإسراء 17 : 48 ، الفرقان 25 : 9 .
6الزخرف 43 : 31 .
7في المصدر : شربة ماء .
8في « ط » ، في الموضعين : رجلا له . وفي المصدر : وجلاله .
9هذا الأمر ضربة لازب ، أي لازم شديد . « لسان العرب - لزب - 1 : 738 » . وفي « ط » : ضريبة لازب .
الصفحة 548 من 851