مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

البرهان في تفسير القرآن - الجزء 3 - السيد هاشم البحراني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 54 من 851

جعفر ( عليه السلام ) : وهي الجبال التي بناحية الموصل اليوم - فصارت حديدا إلى يوم القيامة . فلما رأى قوم يونس أن العذاب قد صرف عنهم هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال ، وضموا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم ، وحمدوا الله على ما صرف عنهم . وأصبح يونس وتنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه ، لا يشكان أن العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعا ، لما خفيت أصواتهم عنهما ، فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشمس ، ينظران إلى ما صار إليه القوم ، فلما دنوا من القوم واستقبلهم الحطابون والحمارة 1 والرعاة بأغنامهم ، ونظروا إلى أهل القرية مطمئنين ، قال يونس لتنوخا : يا تنوخا ، كذبني الوحي ، وكذبت وعدي لقومي ، لا وعزة ربي لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذبني الوحي 2 فانطلق يونس هاربا على وجهه ، مغاضبا لربه 3 ، ناحية بحر أيلة متنكرا ، فرارا من أن يراه أحد من قومه ، فيقول له : يا كذاب ، فلذلك قال الله : وذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه ) * 4 الآية . ورجع تنوخا إلى القرية ، فلقي روبيل ، فقال له : يا تنوخا ، أي الرأيين كان أصوب وأحق أن يتبع : رأيي ، أو رأيك ؟ فقال له تنوخا : بل رأيك كان أصوب ، ولقد كنت أشرت برأي الحكماء والعلماء . وقال له تنوخا : أما إني لم أزل أرى أني أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي ، حتى استبان فضلك لفضل علمك ، وما أعطاك الله ربك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد والعبادة بلا علم . فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما ، ومضى يونس على وجهه مغاضبا لربه ، فكان من قصته ما أخبر الله به في كتابه إلى قوله : فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) * 5 » . قال أبو عبيدة : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوة والرسالة فآمنوا به وصدقوه ؟ قال : « أربعة أسابيع : سبعا منها : في ذهابه إلى البحر ، وسبعا منها في رجوعه إلى قومه » . فقلت له : وما هذه الأسابيع شهور ، أو أيام ، أو ساعات ؟ فقال : « يا أبا عبيدة ، إن العذاب أتاهم يوم الأربعاء ، في النصف من شوال ، وصرف عنهم من يومهم ذلك ، فانطلق يونس مغاضبا فمضى يوم الخميس ، سبعة أيام في مسيره إلى البحر ، وسبعة أيام في بطن الحوت ، وسبعة أيام تحت الشجرة بالعراء ، وسبعة أيام في رجوعه إلى قومه ، فكان ذهابه ورجوعه مسير ثمانية وعشرين يوما ، ثم

الهوامش

1الحمّارة : أصحاب الحمير في السفر . « الصحاح - حمر - 2 : 637 » .
2قال المجلسي ( رحمه اللَّه ) : قوله ( عليه السّلام ) : « بعد ما كذبني الوحي » أي باعتقاد القوم ، البحار 17 : 399 .
3قال المجلسي ( رحمه اللَّه ) : قوله : « مغاضبا لربّه » أي على قومه لربّه تعالى ، أي كان غضبه للَّه تعالى لا للهوى ، أو خائفا عن تكذيب قومه لما تخلَّف عنه من وعد ربّه ، البحار 17 : 399 .
4الأنبياء 21 : 87 .
5الصافات 37 : 148 .
الصفحة 54 من 851