أبي رملا ووضع رأسه عليه ، ورأيت عينيه قد انقلبتا ، فبكيت ، وقلت له : يا أبت ، كيف أصنع بك وأنا وحيدة ؟ فقال : يا بنية ، لا تخافي فإني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري ، فإنه أخبرني حبيبي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في غزاة تبوك ، فقال : « يا أبا ذر ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك أقوام من أهل العراق ، يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك » . فإذا أنا مت فمدي الكساء على وجهي ، ثم اقعدي على طريق العراق ، فإذا أقبل ركب فقومي إليهم ، وقولي : هذا أبو ذر ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد توفي . قال : فدخل عليه قوم من أهل الربذة ، فقالوا : يا أبا ذر ، ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ؟ قالوا : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قالوا : فهل لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني . قالت ابنته : فلما عاين الموت سمعته يقول : مرحبا بحبيب أتى على فاقة ، لا أفلح من ندم ، اللهم خنقني خناقك ، فو حقك إنك لتعلم أني أحب لقاءك . قالت ابنته : فلما مات مددت الكساء على وجهه ، ثم قعدت على طريق العراق ، فجاء نفر ، فقلت لهم : يا معشر المسلمين ، هذا أبو ذر صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قد توفي . فنزلوا ومشوا وهم يبكون فجاؤوا فغسلوه وكفنوه ودفنوه ، وكان فيهم الأشتر . فروي أنه قال : دفنته في حلة كانت معي قيمتها أربعة آلاف درهم . قالت ابنته : فكنت أصلي بصلاته ، وأصوم بصيامه ، فبينا أنا ذات ليلة نائمة عند قبره إذ سمعته يتهجد بالقرآن في نومي ، كما كان يتهجد به في حياته . فقلت : يا أبت ، ماذا فعل بك ربك ؟ فقال : يا بنية ، قدمت على رب كريم ، رضي عني ورضيت عنه ، وأكرمني وحباني ، فاعملوا ولا تغتروا 1 وكان مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بتبوك رجل يقال له : المضرب ، من كثرة ضرباته التي أصابته ببدر واحد ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « عد لي أهل العسكر » فعددهم ، فقال : إنهم خمسة وعشرون ألف رجل سوى العبيد والتباع . فقال : « عد المؤمنين » . فعددهم فقال : هم خمسة وعشرون رجلا . وقد كان تخلف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوم من المنافقين ، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في
1في المصدر : فاعملي فلا تغتري .




