أن القرآن ذكر طائفة من العمومات والمطلقات دون أن يذكر تخصيصا أو تقييدا لها ، وترك بيان التخصيص والتقييد لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخلفائه من بعده ( عليهم السلام ) الذين ورثوا علمه . ومن هذه العمومات قوله تعالى : والْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 1 وهي تعم كل المطلقات ، وقد ورد في السنة الشريفة تخصيص هذا العام بالمدخول بهن فقط . وقوله تعالى : وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ 2 وهذا العموم يختص بالرجعيات ، أما غير الرجعيات من المطلقات فلا أولوية لبعولتهن بهن ، وهذا التخصيص وارد في التفسير . ومن المطلقات التي ورد تقييدها في التفسير من الحديث الشريف قوله تعالى : مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُه جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وغَضِبَ اللَّه عَلَيْه ولَعَنَه وأَعَدَّ لَه عَذاباً عَظِيماً 3 وإطلاق هذه الآية الكريمة مقيد في الروايات بما إذا لم يتب وكأنه قد قتله لإيمانه . عن سماعة ، قال : قلت له : قول الله تبارك وتعالى : ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُه جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وغَضِبَ اللَّه عَلَيْه ولَعَنَه ) * . قال : « المتعمد الذي يقتله على دينه ، فذاك التعمد الذي ذكر الله » . قال : قلت : فرجل جاء إلى رجل فضربه بسيفه حتى قتله لغضب لا لعيب على دينه ، قتله وهو يقول بقوله ؟ قال : « ليس هذا الذي ذكر في الكتاب ، ولكن يقاد به والدية إن قبلت » . قلت : فله توبة ؟ قال : « نعم ، يعتق رقبة ، ويصوم شهرين متتابعين ، ويطعم ستين مسكينا ، ويتوب ويتضرع فأرجو أن يتاب عليه » . 4الوجه الثاني : أن القرآن الكريم طرح أنظمة كاملة للتصورات والمفاهيم والأحكام ، وليس ما في القرآن أحكاما متناثرة ومختلفة ، بل إن هذه التصورات والمفاهيم عندما ينتظم عقدها في سلسلة واحدة تشكل نظاما مترابطا ، منسجما ، متكاملا . كل حلقة منه تكمل الحلقة التي تليها ، وهي مجتمعة تقدم للإنسان نظاما كاملا للتفكيروالتصور . ومن هذا القبيل ( التوحيد ) و ( القضاء والقدر ) و ( الاختيار ) فإن آيات التوحيد الموزعة في مواضع كثيرة من القرآن عندما تجتمع وينتظم عقدها تقدم لنا تصورا كاملا عن وحدة الخالق ، ووحدة السلطان والسيادة في حياة الإنسان ، وإلغاء
1البقرة 2 : 228 .
2البقرة 2 : 228 .
3النّساء 4 : 93 .
4تفسير العياشي 1 : 267 / 236 ، وللتوسّع في هذا البحث راجع مجلة رسالة القرآن العدد




