دون أن تختلف الحقائق التي يتلقاها الناس من ظاهر القرآن عن الحقائق التي يتلقاها العلماء القرآنيون من أعماق القرآن ، ولكن شتان بين وعي ووعي وفهم وفهم ، وما يبلغه هؤلاء وأولئك . ولسنا نريد أن نطيل الحديث في هذا الجانب ، فإن كتاب الله نور وهدى ومنهاج عمل في حياة البشر ، ولا بد لفهم هذا القرآن أن تتضافر جهود العلماء ليفتحوا للناس من آفاق هذا القرآن ، ما لا يمكن أن يصلوا إليه ، لولا ذلك . وقد أدرك العلماء المتخصصون في القرآن هذه الضرورة منذ أقدم العصور القرآنية ، وتنالوا كتاب الله تعالى بالتحليل والتفسير ، ونحن بفضل جهودهم تلك أصبحنا نعي بحمد الله من كتاب الله وآياته وآفاقه ما لم نكن لندركه لولاها . ومن الآيات التي يمكن أن تكون مصداقا واضحا لاختلاف مستوى الفهم والتفسير من قبل العلماء في استكشاف أبعاد وأعماق مختلفة لها ، دون أن تتناقض وتختلف هذه الأبعاد فيما بينها :
1 - قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ومِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْه فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُه كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّه الْحَقَّ والْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّه الأَمْثالَ . 1
2 - وقوله تعالى : اللَّه نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِه كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْه نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّه لِنُورِه مَنْ يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّه الأَمْثالَ لِلنَّاسِ واللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . 23 - وقوله تعالى : وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . « وأمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة ، وهي من غرر الآيات ، كما يقول العلامة الطباطبائي ( رحمه الله ) ، وهي تحمل أبعادا وأعماقا مختلفة ولظاهرها معنى واضح ومفهوم ، وكلما أمعن الإنسان النظر وتأمل فيها ، فتح الله ( تعالى ) له من آفاق الفهم والتفسير ما لم ينفتح له من قبل . وهذه التفاسير والتصورات والأفهام غير




