مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

موسوعة عبد الله بن عبّاس - الجزء 4 - محمد مهدي السيد حسن الخرسان

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 62 من 374

وصفها عن الإمام فإنّ جند الشيطان بها كثير ، ولا ريب أنّهم يطمعون في التسلل إلى مراكز القوة لنيل أمانيهم ، وهل مطمع فوق مركز رأس السلطة ، فمتى نفذوا إليه واستحوذوا عليه ، تمّ لهم ما أرادوا ونالوا مبتغاهم ، ولا يضيق السبيل على ابليس وجنده ، ولهم في النميمة خير وسيلة لاختداع الوالي والتقرب منه ، وتلك سيرتهم مع الولاة والحاكمين في كلّ زمان ومكان ، فإن وجدوا أذناً صاغية لقد نجحوا في مسعاهم ونالوا مبتغاهم ، وإن لم يجدوا وكان الوالي له أذن عن الفحشاء صمّاء مثل ابن عباس ، فليس أبور من سلعتهم ، إذ لا نَفَاق للنِفَاق ، وقد ابتلي ابن عباس في ولايته بنماذج من يريدون أن يأكلوا المال بالباطل ، فمنهم النمامّون ، ومنهم الشعراء الهجّاؤن الذين يثلبون أعراض الناس ، وأضراب أو لا وأولئك كثيرون.

غير أنّه بما أتاه الله من قوة الشخصية مع حدّة الفهم وبُعد النظر ما ينفذ به إلى بواطن الأمور ، وكان على حدّ قول الإمام فيه ، وهو مربّيه ومولّيه : (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق) (1) ، ثمّ هو على حدّ وصفه له في خطبة ولايته بالفقه والتقوى والورع ، فلمّا كان كذلك كان من الطبيعي أن لا يفسح المجال أمام الإنتهازيين ، فكان شديداً بلا عُنف ، وليّناً بلا ضعف.

وإلى القارئ نموذجَين من مواقفه : أحدهما مع نمّام ، وآخر مع هجّاء.

فقد روي أنّ رجلاً أتاه بنميمة ، فقال له : يا هذا إن شئت سألنا عما جئت به ، فإن كنت صادقاً مقتناك ، وإن كنت كاذباً عاقبناك ، وإن شئت أقلناك ، فاستعفى الرجل ، ومن الطبيعي أن يعرف ذلك المتزلّفون إلى الحكّام بالنميمة ، فقد

____________

(1) جاء في فيض القدير للمناوي 1 / 60 قال فيه ابن عباس عليّ كرّم الله وجهه (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق).

الصفحة 62 من 374