وأمّا بالنسبة لرأي المغيرة الآخر : فهو غشٌ ومكرٌ ! أراد استعجال الفتنة لينفخ في رمادها ويوري نارها ، وقد أعترف هو بنفسه ! فقد مرّ بنا قوله : «نصحته فلم يقبل فغششته»(1).
وقد روى ابن أعثم في الفتوح ، والمسعودي في المروج أبيات شعر للمغيرة في ذلك وهي برواية المسعودي :
منحتُ عليّاً في ابن هند نصيحة | فردّت فلا يسمع لها الدهر ثانيه | |
وقلت له أرسل إليه بعهده | على الشام حتى يستقر معاويه | |
ويعلم أهل الشام أن قد ملكته | وام ابن هند عند ذلك هاويه | |
فلم يقبل النصح الّذي جئته به | وكانت له تلك النصيحة كافيه(2) |
وروى اليعقوبي في تاريخه قوله : «والله ما نصحت له قبلها ولا أنصح له بعدها»(3).
فهذا هو المغيرة أزنى ثقيف ، وهذا مبلغ دينه في النصح لإمام المسلمين.
وأمّا رأي ابن عباس في تصويب رأي المغيرة أوّل مرة ، واعتبره نصيحة : فإن صح ذلك ، فهو من خلال منظوره الخاص في تلك الساعة ، وإلّا فقد تبيّن له بعدُ وجهُ الحقّ ، وأن الرأي الصواب ما كان رآه أمير المؤمنين عليهالسلام.
وقد اعترف هو بذلك في ردّه على المغيرة بعد مدة فقد قال للمغيرة في مجلس معاوية : «كان والله أمير المؤمنين عليهالسلام أعرف بوجوه الرأي ومعاقد الحزم ______________________
(1) راجع مروج الذهب 2 / 363 تح محمّد محي الدين عبد الحميد ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 84 ط بولاق.
(2) الفتوح 2 / 267 ط سنة 1326 ، مروج الذهب 2 / 16 17 ط البهية سنة 1346.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 156.




