فبعد هذا كلّه لابدّ لنا من استذكار جميع تلك المواقف الّتي يستبين فيها ابن عباس بمنتهى اللين والتسامح مع البيان الهاديء الواضح ، بينما نرى من عائشة التجهم ونرى عندها انقباضا ونفوراً.
ربما تعداهما فكان تشنّجاً أظهر الشحناء منها علانية ، والآن فلنمرّ على تلك المواقف مرور الكرام لنعرف مَن كان منهما يريد الوئام والسلام ، ومن كان يريد الخصام ولو بحدّ الحسام. ومن هو أهدى سبيلاً ؟
والمواقف هي كما يلي :
1 موقف يوم الصلصل ، وقد ضمهما المكان ، فهي خرجت من المدينة إلى مكة مغاضبة لعثمان ومحرّضة عليه ، وابن عباس خرج أميراً على الموسم ليقيم للناس حجّهم ، فقالت له : «يا بن عباس أنشدك الله فإنك قد أعطيت لساناً ازعيلا(1) ان تخذل عن هذا الرجل ، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجت(2) ورفعت لهم المنار ، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد حُمّ وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر.
فقال لها ابن عباس : يا أمه لو حدث بالرجل حَدَثٌ ما فزع الناس إلّا إلى صاحبنا.
فقالت : أيهاً عنك إنّي لست اُريد مكابرتك ولا مجادلتك»(3).
______________________
(1) الأزعيل : الذلق.
(2) أنهج الطريق : وضُح وبان.
(3) تاريخ الطبري 4 / 407 ط دار المعارف ، وانظر الفتوح لابن اعثم 2 / 226 ، وكتاب الجمل للشيخ المفيد / 61 تجد ذلك بتفاوت راجع الجزء الثاني من كتابنا هذا تجد الروايات كلها مذكورة.




