وهذا خبر غير معقول البتة ، وهو مخالف منطق الحوادث : أمن تجييش الجيوش على عليّ إلى القتال معه ؟ أهكذا انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، بهذه الخفة والسرعة الخاطفة ؟؟! ألا قليلاً من العقل والروية أيها المؤرخون العصبيون !؟».
فنقول له : أمّا ما ذكرته من حملة مسعورة فلا مبرّر لها ، فالرجل مؤرخ كسائر المؤرخين يروي ما وجده في كتب الأقدمين ، وقد أحصيت من ذكرهم في أوّل كتابه فنافوا على الثمانين ، وهو رقم عالٍ جداً لم يبلغه غيره فيما أحسب. ومن كان يروي عن كتب أولئك والّتي لم يصلنا منها إلّا بضعه قليلة لا تبلغ العشرة ، أمّا الباقي فقد ضاع ولم نعلم منها وعنها إلّا ما ذكره المسعودي في كتابه ، فلا سبيل للتحامل عليه بما تهوى النفوس.
ثمّ إنّ الخبر المذكور أقصى مناقشته الأفغاني له ، إنّه يرى في موقف عائشة انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كما يقول ويبدو أن الأفغاني أمرؤ نسيّ ، ألم يمرّ عنده في كتابه (ص 68) موقف مشابه لهذا الموقف ، حيث تبدلت عائشة بمنتهى الخفة والسرعة الخاطفة ، فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، ولا بأس بأن ننقل للقارئ ما كتبه بنفسه وبلفظه في كتابه قال : «فلمّا قضت عمرتها خرجت متوجهة نحو المدينة ، فلمّا انتهت إلى (سَرفٍ) لقيها رجل من أخوالها من بني ليث ، وكانت السيدة واصلة لهم رقيقة عليهم يقال له عبيد بن أبي سلمة ويعرف بأمه أم كلاب ، قادماً من المدينة ، فقالت (مهيم) فأصمّ ودمدم(1) فقالت : ويحك علينا أم لنا ؟ فقال : لا ندري ، قتل عثمان وبقوا ______________________
(1) المصدر السابق الطبري 3 / 468 مهيم كلمة استفهام من معانيها : ماوراءك ؟ الدمدمة : الغضب.




