ولمّا دخل مكة في جو ملتهب بالمشاعر الساخطة على عثمان ، وها هو أمير الحاج من قبله فعليه أن يتجنب كلّ ما يشتّت الكلمة ويوري نار الفتنة ، لذلك لم يتعرض لأمر عثمان من قريب أو بعيد ، وكأنّه لم يكن خليفته في أمر المناسك ، بل بلغ من إعراضه عن أمره ، أن عثمان بعث معه كتاباً الى الحجاج يدعوهم الى نصرته ليتلوه في مكة قبل التروية بيوم ، فتلاه دون التعليق عليه بقليل أو كثير . وكان كتاباً طويلاً (1) تستدعي فيه بعض الفصول إثارة الفضول ، والتساؤل حول أفعال عثمان وولاة عثمان ، وهو حديث الساعة يومئذ بين الحجاج . لكنه لم يدع مجالاً للخوض في ذلك ، حفظاً للنظام وحفاظاً على إقامة المناسك دون بلبلة .
وزاد من إعراضه أنّ عثمان بعث كتابا مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم ، فوافى به نافع يوم عرفة ، وابن عباس يخطب ، فقام نافع إليه ليقرأ الكتاب ، فلم يقرأه وقطع خطبته وترك نافع يقرأ كتاب عثمان ولمّا أتم قراءته ، عاد ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشيء من شأنه (2) .
وهكذا أقام للناس مناسك حجّهم ، ومضت أيام الحج المعلومات ، وألسنة الثناء تطري حبر الأمة وتمجّده ، اذ سحر الناس ببيانه خطيباً ، ومعلماً للأحكام مصيباً ، كما هو شأنه في كلّ عام حتى بلغ من افتتان الناس بكلامه ، قول بعضهم : يا سبحان الله ماذا يخرج من رأس هذا الرجل ، لو سمعت هذا الترك لأسلمت .
وقال الآخر وقد سمعه يفسّر سورة النور وهو على المنبر لو فسح لي المجال لقبّلت رأسه لحلو منطقه . وروى أبو عثمان الجاحظ قول الناس : ____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 140 142 ط الحسينية .
(2) تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة / 1166 تح فهيم محمّد شلتوت ، تاريخ الإمامة والسياسة 1 / 33 34 .




