التاريخ قد يجهلها الكثيرون ممن هم عمريون أكثر من عمر وقد تحرّيت ما وسعني البحث الدقة في إبراز الصورة لهما بكل جوانبها سواء المضيء الناصع والمعتم المظلم ، دون حسابات التعظيم والتفخيم للأشخاص ، فإنهم بشر مثلنا وكلهم من بني ادم . فهم يحسنون ويسيئون ، وطباعهم كطبائع الناس ، يغضبون عند الاثارة والاستفزاز ويثورون لحدّ الاشمئزاز ، وما في ذلك من نقد أو تجريح ، بل ذلك هو المنظار الصحيح ويبقى عمر في نظر ابن عباس وقد أجاب من سأله عنه فقال : « كان كالطير الحذر الّذي يرى أن له بكلّ طريق شركاً يأخذه » (1) .
كما كان ابن عباس في نظر عمر وقد قال لمن تسخّط تقريبه من المهاجرين : « ذاكم فتى الكهول ، له لسان سؤول ، وقلب عقول » (2) .
كما تبقى الشورى سلعة بائرة في سوق الاستخلاف ، ومجرد اسم تلعب به الشفاه أفرغ منه مضمونه كما يقول عبد الفتاح عبد المقصود (3) .
ولم يكتب لهذه الطريقة حظ في الحياة ، فإنّ أحداً من الخلفاء لم يلجأ إليها بعد عمر كما يقول الدكتور منير العجلاني (4) .
وما من شك في أن النظام الّذي وضعه للشورى قد كان نظاماً لا يخلو من نقص ، ولعله لا يخلو من نقص شديد كما يقول الدكتور طه حسين (5) .
فممّا لا ريب فيه إنّ عدم النص على الخليفة أو تعيين الانتخاب في عدد مخصوص أوجد حزبية وبيلة وهيأ لها أن تعمل أسوأ أعمالها ولم تقف عند ____________________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 82 ط المنيرية سنة 1351 ه .
(2) الإصابة 2 / 325 ط مصطفى محمّد .
(3) السقيفة والخلافة / 264 .
(4) عبقرية الإسلام ونظام الحكم / 150 ط دار الكتاب الجديد بيروت .
(5) الفتنة الكبرى 1 / 60 ط دار المعارف بمصر .




