قال : «مصلح أو مفسد؟» قلت : مصلح.
قال : «فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟» قلت : بلى.
قال : «فهي العلّة أوردها لك ببرهان يثق به (1) عقلك .. ، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه [تعالى] ، وأنزل الكتب عليهم ، وأيّدهم بالوحي والعصمة ؛ إذ هم أعلى الأمم ، وأهدى إلى الاختيار منهم ؛ مثل موسى وعيسى عليهما السلام ، هل يجوز مع وفور عقلهما ، وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق ، وهما يظنان أنّه مؤمن؟» قلت : لا.
فقال : «إنّ موسى كليم اللّه مع وفور عقله ، وكمال علمه ، ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ، ووجوه عسكره ، لميقات ربّه سبعين رجلا ، ممّن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم ، فوقعت خيرته على المنافقين ، قال اللّه عزّوجلّ : (وَاخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقٰاتِنٰا) (2) و (3) قوله : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّٰاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (4) ، فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور ، وتكنّ الضمائر ، وتتصرّف عليه السرائر ، وأن لا خطر (*) لاختيار
__________________
(1) في المصدر : ينقاد له.
(2) سورة الأعراف (7) : 155.
(3) في الأصل : إلى ، بدلا من : الواو ، وهو سهو.
(4) سورة البقرة (2) : 55.
(*) لا شأن له ولا قدر. [منه (قدّس سرّه)].




