مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تنقيح المقال في علم الرجال - الجزء 27 - الشيخ عبدالله المامقاني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 97 من 404

ولا يخفى عليك أنّ عدّ مثل ابن شاذان الثقة الجليل إيّاه من أصحاب علي عليه السلام كاف في إثبات كونه إماميّا ، وقوله في حقّه : إنّه كان زاهدا تقيّا ، وإقرانه باويس القرني ، بل تقديمه في الذكر عليه ، المؤيّد بعدّ العلاّمة رحمه اللّه

__________________

عقائدهم وجلب أنظارهم إلى غاياتهم .. كثيرة ، وهي تختلف في عصر كلّ من وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى عصر الإمام العسكري عليه السلام ، بشكل يناسب الوضع السياسي ، ومن جملة تلك العناوين التي اخترعوها التصوّف ، والزهد ، وذلك أنّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانوا في قمّة الفضائل والأوصاف الحميدة ، وفي غاية الطهارة من الصفات الرذيلة ، وكان إحدى تلك الصفات دأبهم في العبادة ، وزهدهم عن الدنيا وزخرفها ، والإعراض عنها .. والطغاة الحاكمون فحصوا عن رجال لهم استعداد التظاهر بصفة الزهد الذي اخترعوه ، من عدم أكل الطيب ، ولبس الجيد .. وغير ذلك ثم نوّهوا باسمهم ورفعوا شأنهم بين الناس ، وبذلوا بواسطة أياديهم الأثيمة كل ما في وسعهم لترويج أولئك ، كل ذلك ليكونوا أفراد مشهورين بالزهد ، في قبال زهد الأئمة الطاهرين ، وبعد مرور زمن غير قليل صار الزهد وصفا مميّزا في المجتمع ، وكان زهد هؤلاء في المأكل والمشرب وبعض مظاهر الحياة الظاهرية ، من عدم الأكل ، وعدم الاستمتاع بملاذ الحياة المحلّلة ، مع أنّ التشريع الإسلامي والسيرة الشريعة النبوية صريحة في أنّ الزهد هو ما في الآية الشريفة : (لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَلاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ) ، [سورة الحديد (57) : 23] ، وقول أمير المؤمنين عليه السلام : «ليس الزهد أن لا تملك شيئا ، بل الزهد أن لا يملكك شيء» ، فقلبوا هذا المفهوم الرفيع إلى ترك أكل الطيب ، ولبس الجيّد ، والصمت عن الكلام ، ونحن نعتقد بأنّ كل ما كان عن تعليم اللّه ، وعلى سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمّة الهداة عليهم السلام فهو الرشاد ، وما كان خلافه فهو الضلال ، وعليه فإنّ صمت الربيع عشر سنين أو عشرين سنة عن الكلام ، لم نجد له في الكتاب العزيز ، ولا في سيرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن بعده من أئمة المسلمين أثرا ، بل بالعكس ، كانوا صلوات اللّه عليهم يتكلّمون بكلّ ما ينبغي ، إلاّ أنّهم يمتنعون عن اللغو ، وعمّا لا يرضي اللّه ، وكانوا يتحادثون مع الناس ، ويتّضح ممّا ذكرناه أن صمت المترجم إن لم تكن منقصة له لا يمكن عدّها فضيلة ، وكذلك فعلوا الطغاة في قلب المفاهيم العالية الرفيعة إلى مظاهر خسيسة ، وما ذكرته تجده متجليّا في حياة الفريقين على مرّ الزمن.

الصفحة 97 من 404