وجماعة عبّاد البصرة مثل أيّوب السجستاني ، وصالح المروي (1) ، وعتبة الغلام ، وحبيب الفارسي ، ومالك بن دينار ، فلمّا أن دخلنا مكّة رأينا الماء ضيّقا وقد اشتدّ بالناس العطش لقلّة الغيث ، ففزع إلينا أهل مكّة والحجّاج يسألونا (2) أن نستسقي لهم ، فأتينا الكعبة وطفنا بها ، ثم سألنا اللّه خاضعين متضرّعين بها فمنعنا الإجابة ، فبينما نحن كذلك إذا نحن بفتى قد أقبل قد أكربته أحزانه ، وأقلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطا ، ثم أقبل علينا فقال : «يا مالك بن دينار .. ويا ثابت البناني .. ويا أيّوب السجستاني .. ويا صالح المروي .. (3) ، ويا عتبة الغلام .. ويا حبيب الفارسي .. ويا سعد ، ويا عمر ، ويا صالح الأعمى .. ويا رابعة .. ويا سعدانة .. ويا جعفر بن سليمان ..» فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى! فقال : «أما فيكم أحد يحبّه الرحمن؟!» فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة. فقال : «أبعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبّه الرحمن لأجابه». ثم أتى الكعبة فخرّ ساجدا فسمعته يقول في سجوده : «سيّدي بحبّك لي إلاّ سقيتهم الغيث». قال : فما استتمّ الكلام حتّى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، فقلت : يا فتى! من أين علمت أنّه يحبّك؟! قال : «لو لم يحبني لم يستزرني ، فلمّا استزارني علمت أنّه يحبّني ، فسألته بحبّه لي فأجابني» .. ثم ولّى عنّا وأنشأ يقول :
من عرف الربّ فلم تغنه |
| معرفة الربّ فذاك الشقي |
ما ضرّ في الطاعة ما ناله |
| في طاعة اللّه وما ذا لقي |
ما يصنع العبد بغير التقي |
| والعزّ كلّ العزّ للمتّقي |
فقلت : يا أهل مكة! من هذا الفتى؟ قالوا : عليّ بن الحسين بن عليّ بن
__________________
(1) في بحار الأنوار : المري ، وفي نسخة : الهروي.
(2) في الاحتجاج : يسألوننا ، وهو الظاهر.
(3) في بحار الأنوار : المري.




