الجَاهِلِيَّةِ يَسْرِي فِي عُرُوقِهِ، وَنَظَرَ بِعَيْنِ التَّأَمُّلِ إِلَى حَاضِرِنَا الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ كَادَتْ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ أَنْ تَرْجِعَ سِيرَتَهَا الأُولَى قَبْلَ إِسْلَامِهَا.
لَقَدْ شَخَّصَ الدُّكْتُور الكَاتِبُ أَمْرَاضَ الأُمَّةِ، وَأَظْهَرَ جَلِيّاً كَيْفَ أَنَّ الدَّاءَ أَخَذَ يَنْخُرُ فِي كِيَانِنَا وَيَفْتِكُ فِي ضَمِيرِنَا، فَنَحْنُ أَخَذْنَا بِالمُتَشَابِهِ وَنَبَذْنَا المُحْكَمَ كَمَا ذَكَرْنَا إِلَى إِحْيَاءِ لِلبِدَعِ وَطَمْسِ الأُصُولِ وَالسُّنَنِ إِلَى تَهَافُتٍ عَلَى القِيَاسِ بِالرَّأْيِ دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ المُحْكَمِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ، الوَاضِحِ الرُّؤْيَةِ، إِنَّ شَيْخَنَا وَفَقِيرَنَا وَسَبِيلَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ لَمْ يَقُلْ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ وَأَعْطَانَا وَشَرِبَ وَسَقَانَا، فَكَانَ شَرَابُهُ هَذَا مُنْحَدِراً مِنْ يَنْبُوعِ أَهْلِ العِصْمَةِ وَاسْتَقَرَّ فِي الحَوْضِ الشُّعَيْبِيِّ وَتَسَلْسَلَ فِي مَجَارِيهِ المُطَهَّرَةِ إِلَى أَنْ رُوِيَتْ مِنْهُ الغُلَّةُ الهالتِيَّةُ وَالجِنَّانِيَّةُ الخَصِيبِيَّةُ، وَامْتَدَّ إِلَيْنَا هَذَا الرَّشَحُ الفُرَاتِيُّ، فَأَحْيَا النُّفُوسَ مِنْ مَوْتِهَا وَبَصَّرَهَا مِنْ عَمَاهَا، وَأَنَارَ العُقُولَ مِنْ ظَلَامِهَا، فَاسْتَنَارَ بِهَذَا النُّورِ العَقْلِيُّ وَاقْتَاتَ بِهَذَا الرِّزْقِ السَّمَاوِيِّ ثِقَاتُ المَذْهَبِ الأَوَّلُونَ وَفَلَاسِفَةُ الِاجْتِهَاد المُحِقِّونَ، وَمِنْهُمُ الجُلِيُّ وَالجِسْرِيُّ وَالحَرَّانِيُّ وَالشِّيرَازِيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالبَغْدَادِيُّ وَالعَانِيُّ وَالسِّنْجَارِيُّ وَالغَسَّانِيُّ وَالحَلَبِيُّ، إِلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ وَتَابِعِي تَابِعِيهِمْ وَكُلُّهُمْ أَعْلَى اللَّهُ مَقَامَهُمْ لَمْ يَتَأَلَّوْا بِالرَّأْيِ وَالقِيَاسِ بَلْ رَجَعُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.




