وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ وَالجِبَالِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالحَدِيدِ وَالحِجَارَةِ وَالمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا كَانُوا أُمَمًا أَمْثَالَكُمْ قَبْلَ لُبْسِهِمْ هَذِهِ الهَيَاكِلَ المَسُوخِيَّةَ، فَأَوْجَبَ الذَمَّ عَلَيها مِنْ حَيْثُ ذَوَاتِهَا الجِنْسِيَّةِ الحِسِّيَّةِ لَا مِنْ حَيْثُ أَسْمَائِهِمُ العِلْمِيَّةِ، وَإِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَسْمَاءِ تَسَمَّى بِهَا أَهْلُ المَرَاتِبِ كَالجِبَالِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ، وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ أَهْلِ المَرَاتِبِ حَقِيقَةً، لِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمَّى عَلَى الحَقِيقَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ مِثْلُ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَالمَعَادِنِ المَوْجُودَةِ عَيْنًا فِي الطَّبَقَةِ الأَرْضِيَّةِ تَتَرَدَّدُ فِيهَا أَرْوَاحُ مَنْ يَسْتَحِقُّ المَسْخَ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ جَزَاءً بِمَا كَسَبُوا مِنَ اَللَّٰه، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ: إِنَّ هَذِهِ الأَسْمَاءَ تَسَمَّتْ بِهَا أَسْمَاءٌ بَاطِنَةٌ نُورِيَّةٌ وَبِمَعَانٍ حَقِيقِيَّةٍ وَأَشْخَاصٍ عَقْلِيَّةٍ، وَبِهَذِهِ الأَسْمَاءِ يَتَقَرَّبُ المُؤْمِنُ بِالمَعْرِفَةِ وَالبَيَانِ وَالقَصْدِ وَالإِتْقَانِ، وَلِيَعْلَمُوا مَا غَابَ بِمَا حَضَرَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي رِسَالَتِهِ "الأَسْعَدِيَّةِ": أَنَّهَا كَانَتْ أُمَمًا أَمْثَالَكُمْ قَبْلَ التَّرْكِيبِ فِي المَمسُوخَاتِ، وَلَعَمْرِي أَنَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ فِي الأَرْضِ مِنْ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا فِي بَرِّهَا وَبَحْرِهَا مِنْ قَشَاشِهَا وَدَبِيبِهَا وَمِنْ طُيُورِهَا وَهَوَامِهَا، لَوْ قِيسَتْ بِحُجَّةِ العَقْلِ، لَكَانُوا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لِلبَشَرِيَّةِ فِي هَذَا الكَوْنِ الأَرْضِيِّ، فَإِذَا كَانُوا أُمَمًا أَبْشَارًا قَبْلَ تَرْكِيبِهِمْ وَرَدِّهِمْ فِي المَسُوخِيَّةِ لَمَا هُمْ فِيهِ الآنَ، فَمِنْ أَيْنَ وُجِدَتْ هَذِهِ الأُمَمُ، إِذَا لَمْ تَكُنْ نَشْأَتْ إِلَّا النَّشْأَةَ الأُولَى، كَمَا يَزْعُمُ القَاصِرُونَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ النَّشْآتِ كَثِيرَةٌ وَلَمْ تَزَلْ دَائِمَةً بِدَوَامِ مُنْشِئِهَا.




