أَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: لَا بُدَّ لِهَذِهِ الآيَاتِ مِنْ تَصْرِيفٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَالبَيَانِ وَالفِقْهِ وَالعِرْفَانِ: إِنَّ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ لَسَجَدَ، وَإِنْ كَانَ سُجُودُهُ عَلَى سَبِيلِ إِسْلَامِهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَاسْتَبْطَنَ الكُفْرَ وَخَابَ ظَنُّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ طَاوُوسُ المَلَائِكَةِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ قَبْلَ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَكِنَّهُ مَلَكٌ فِي الكُفْرِ وَإِمَامٌ فِي الكُفْرِ، وَمِمَّا وَرَدَ نَصًّا: إِنَّ لِإِبْلِيسَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ سَجْدَةً: فَالسَّمَاءُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَفِي كُلِّ ظُهُورٍ كَانَ يَعْرِفُ البَارِي وَيَجْحَدُ وَيُنْكِرُ وَلَا يُقِرُّ فَسُمِّيَ هَذَا الإِقْرَارُ المَجَازِيُّ سُجُودًا لِغَيْرِ اللهِ وَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، الَّتِي هِيَ مَسْكَنُ أَهْلِ الإِقْرَارِ.
وَوَرَدَ أَيْضًا: كَانَ إِبْلِيسُ نُورًا فَأَظْلَمَ، أَيْ كَانَ عَلَى نُورِ الإِسْلَامِ، إِسْلَامٌ بِلَا إِيمَانٍ، وَهُوَ أَصْلُ الظُّلْمَةِ وَعِلَّةُ الشُّرُورِ وَالمَعْصِيَةِ، وَإِنَّ جَنَّتَهُ بَشَرِيَّتُهُ وَخُرُوجُهُ مِنْهَا: أَيْ سُقُوطُهُ فِي دَرَكَاتِ المَسُوخِيَّةِ وَهَذَا مَعْنَى القَوْلِ: كَانَ نُورًا فَأَظْلَمَ، اِفْهَمْ تُرْشَدْ.
وَإِنَّ إِبْلِيسَ وَهُوَ الثَّانِي كَانَ مَلَكًا فِي الكُفْرِ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- نَظْمًا:
وَإِبْلِيسُ كَانَ مَلَكًا | وَعَابِدًا فِيمَا غَبَرُ |




