مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾(1)
قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ مِيهُوبٌ حَرْفُوشٌ فِي رِسَالَتِهِ "مَقْصِدِ الطَّالِبِ": إِذَا رَأَيْنَا مِنْ صَاحِبِ مَقَامٍ قُدْرَةً تَنْفِي الصُّورَةَ وَتُثْبِتُ وُجُودَ النَّاطِقِ مِنْهَا، فَالصُّورَةُ تَلْبِيسٌ وَالقُدْرَةُ حَقِيقَةٌ، إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنِ القُدْرَةُ حَقِيقَةً، لَمَا كَانَ لَهُمْ مِيزَةٌ عَنْ بَقِيَّةِ السَّحَرَةِ، الَّذِينَ يخيلونَ لِلنَّظَرِ صُوَرًا وَتَمَاثِيلَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، بَيْنَمَا القُدْرَةُ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ وَمُغَايِرَةٌ لِلنِّظَامِ الطَّبِيعِيِّ، وَإِلْقَاءُ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ وَالتَّخْيِيلُ أَنَّهَا حَيَّةٌ تَسْعَى، هُوَ سِحْرٌ بِدَلِيلِ لَمَّا أُلْقِيَتِ العَصَا أَبْطَلَتِ السِّحْرَ وَالتَقَفَتْ سِحْرَهُمْ وَلَمْ يَسْتَطِعِ السَّحَرَةُ إِبْطَالَ فِعْلِ العَصَا، لِأَنَّ مَنْ كَانَ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ نِظَامِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ المُوَحِّدُونَ مَنْ كَانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ قُدْرَتَهُ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ صُورَتَهُ، فَالقُدْرَةُ عَلَامَةٌ لِلظُّهُورِ وَالعَجْزُ عَلَامَةٌ لِلِسِّتْرِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ: إِنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- هُوَ ِاسْمُ اَللَّٰه الأَعْظَمُ، وَإِنَّ السَّحَرَةَ هُمُ الأَيْتَامُ وَالنُّقَبَاءُ فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَ مُوسَى اسْتَأْذَنُوهُ أَنْ يَظْهَرُوا فِي النُّورَانِيَّةِ، أَمَامَ مَنْ جَحَدَ وَكَفَرَ وَأَنْكَرَ المُعَاجِزَ وَالقَدَرَ، فَيُبْهِرُونَ العُقُولَ فَأَذِنَ لَهُمْ صَاحِبُ الأَمْرِ بِقَوْلِهِ: أَلْقُوا، فَظَهَرُوا بِالنُّورَانِيَّةِ فَلَمْ تَثْبُتْ لِأَنْوَارِهِمْ مَنْ




