﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فَالخِطَابُ بِالجَمْعِ، يَعُمُّ آدَمَ الجِنْسِ، لَا آدَمَ الرَّسُولَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الهَبْطَةِ مِنْ ظِلَالِ عَالَمِ اللَّاحِقِينَ وَلُبْسِ الأَبْدَانِ الطِّينِيَّةِ وَعِمَارَةِ دَارِ البَلْوَى، وَتَكُونُ مُدَّتُهُمْ فِيهَا حَسَبَ الِاجْتِهَادِ فِي التَّحْصِيلِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَعِنْدَئِذٍ يَخْلَعُونَ الكَثِيفَ وَيَعُودُونَ إِلَى مَحَلِّهِمُ الأَوَّلِ قَبْلَ الهَبْطَة.
وَقَالَ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الأَحْمَدُ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- : الهَبْطَةُ: هِيَ السُّقُوطُ عَنِ الرُّتْبَةِ وَالمُرَادُ بِذَلِكَ التَّحَوُّلُ بِرَفْعِ المَادَّةِ المبرَّة مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى البَدَنِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتِمُ الجُدَيْلِيُّ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- فِي "تَجْرِيدِهِ": إِنَّ هَذِهِ الأَنْفُسَ لَمَّا عَصَتْ أُهْبِطَتْ وَسُجِنَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ المُرَكَّبَةِ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ، وَهُوَ التُّرَابُ، وَهُوَ أَوَّلُ عُكُوسِهَا وَانْحِطَاطِهَا مِنَ العُلُوِّ إِلَى الدُّنُوِّ، وقَولُهُ تَعَالَى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَالْعَدَاوَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأَنْفُسِ الطِّينِيَّةِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(1)




